بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٤٨ - ٢- الجهة الثانية من المرحلة الثانية و هي أنّ العلم الإجمالي بعد الفراغ عن تأثيره و تنجيزه لوجوب الموافقة القطعية، يقع الكلام في انّ هذا التأثير هل هو بنحو العليّة، أو الاقتضاء؟
لنفس أصالة البراءة، فهو غير صحيح، لأنّ الأصول لوازمها لا تثبت بها، إذن فلوازم الأصول ليست بحجّة، و إن كان مدلولا التزاميا لدليل أصالة البراءة باعتبار أنّ دليل أصالة البراءة اجتهادي، ففيه: إنّ ذلك الدليل يدلّ بالمطابقة على أصالة البراءة، في هذا الطرف، و يدلّ بالالتزام على جعل البدل في الطرف الآخر لأنّنا نعلم في الخارج باستحالة جعل البراءة في أحد الطرفين من دون جعل البدل في الطرف الآخر.
فإن أراد هذا، فجوابه: انّ دليل الأصل لا يدلّ على ذلك بالالتزام و ذلك لأنّ الترخيص في بعض الأطراف لا يكفي فيه واقع جعل البدل في الطرف الآخر في مقام تحصيل الموافقة القطعية. بل لا بدّ من وصول جعل البدل و العلم به ليكون امتثاله موافقة قطعية تعبّديّة، إذن فأصالة البراءة هنا تتوقف على العلم بجعل البدل في الطرف الآخر، لا على واقع جعل البدل، فإن دلّ دليل الأصل على شيء بالالتزام، فإنّما يدلّ على علمنا بجعل البدل، و من الواضح انّ دليل الأصل لا يدلّ بالالتزام على العلم بجعل البدل في الطرف الآخر لأنّنا لا نعلم بجعل البدل فيه.
و بعبارة أخرى: انّ دليل الأصل يدلّ بالالتزام على شرط معقولية الأصل، و شرط ذلك ليس هو واقع جعل البدل، بل هو العلم به، فما يدّعى أنّه مدلول التزامي لدليل الأصل- و هو جعل البدل- فهو ليس مدلولا التزاميا له، لأنّ جريان الأصل ليس منوطا به، بل هو منوط بوصوله و العلم به، و ما هو شرط في تصحيح جريان الأصل نعلم بعدمه وجدانا إذ أنّه لا علم لنا بجعل البدل من غير ناحية دليل الأصل.
و هذا إشكال صحيح للعراقي على الميرزا «قدهما» ضمن الإطار الفكري لهما، و لكن نحن عند ما نخرج عن ذلك الإطار الفكري لهذين العلمين «قدهما»، و ندخل إلى لب المباني الّتي توضحت فيما بيّناه