بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨٤ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
مقرونة بتصديق جازم لكنّها ليست مضمونة الحقّانيّة، بل هي الّتي يكون شفيعها عموم اعتراف العقلاء بها، و أمّا بقطع النظر عن اعترافهم، فهي ممّا لا يدركه العقل، و قالوا: بأنّ قضايا العقل العملي، «كالحسن و القبح» كلها تدخل في هذا الباب، فهي قضايا عقلية مشهورة، و تمام شرافتها و حسنها انّها يعترف بها عموم العقلاء، و قد قال ابن سينا [١]، انّ الفرق بين قضيّة انّ «الواحد نصف الاثنين»، و بين قضيّة انّ «الظلم قبيح»، هو أنّ القضيّة الأولى يدركها حتّى الإنسان المنعزل عن مجتمعه بل عن كل النّاس فضلا عن العقلاء، «كحي بن يقظان»، و لكن لا يدرك القضية الثانية، أي قبح الظلم لو بقي مع عقله المجرد و حسّه و وحشته، و إنّما يدرك ذلك لو كان يعيش في مجتمع قد عمّم الاعتراف فيه بهذه القضايا، بل قيل: انّه لا واقع لهذه القضايا إلّا عموم اعتراف العقلاء بها.
و كلمات هذا المسلك غائمة مشوشة، بل بعضها قاصر عن إفادة المطلوب، بل انّ هذه الأفكار لم تكن واضحة في أذهانهم وضوحا محددا لأنّهم نقلوها عن المنطق الأرسطي الإغريقي في أول ما نقلوا من علومهم، حيث لم يعطوا لهذه الكلمات المنقولة تفسيرا معقولا، و إلّا كيف تكون قضية عقلية مقرونة بالتصديق الجازم و ليس لها أساس واقع إلّا اعتراف عموم العقلاء بها؟
و سوف نذكر ما يمكن أن تنطبق عليه عبائرهم بعد تحليلها إن شاء اللّه تعالى.
و الآن نريد أن نعمق كلا المسلكين.
[١] الشفاء، المنطق، البرهان: ج ٣. ابن سينا: ص ١١٧، ١٢٤.
الشفاء: ج ٢، ص ١٥٠، ١٥٥.