بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨٦ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
ثمّ إنّه يوجد عندنا شيئان: أحدهما قبح الفعل و حسنه، و الآخر استحقاق العقاب، و قد يتراءى الخلط بينهما في كلماتهم، فكأنّه يفهم من كلماتهم، أنّ الحسن و القبح و استحقاق العقاب أحدهما عين الآخر، حيث أنّ القبح هو ما يستحقّ فاعله الذمّ و العقاب، و الحسن ما يستحقّ عليه المدح و الثواب، و بهذا يرجعون هاتين القضيتين إلى معنى واحد و هو المدح و العقاب.
و لكن الصحيح أنّهما قضيتان متغايرتان، فإنّ حسن الفعل و قبحه، معناه: انّ هذا الفعل، «هل ينبغي أن يقع أو لا ينبغي وقوعه»، بقطع النظر عن نظر الآخرين، و أنّهم سوف يثيبون و يمدحون، أو أنّهم سوف يعاقبون و يذمّون، فالحسن معناه: «إنّ هذا ينبغي أن يقع، و الانبغاء هذا له مراتب، و القبح معناه: «إنّ هذا لا ينبغي أن يقع»، و عدم الانبغاء هذا له مراتب أيضا، و هذا الانبغاء و عدمه ليس أمرا مجعولا، بل مصداق «ينبغي» هنا، هو بنفسه أمر واقعي تكويني خارجي لم يجعله جاعل، و هذا معنى واقعيّة «الحسن و القبح».
و أمّا مسألة استحقاق العقاب و الثواب، فهذا بحث عن حسن و قبح فعل، هو فعل المثيب أو المعاقب بحيث أنّه لو صدر الفعل من هذا الشخص، فحينئذ يقال: الآمر، هل ينبغي أن يعاقبه أو أنّه ينبغي أن يثيبه، أو أنّه لا انبغاء، و عليه فهنا قضيتان متغايرتان طوليتان: إحداهما:
إنّ الخيانة لا ينبغي و إنّ الأمانة ينبغي، و الأخرى، ان من صدرت منه الخيانة ينبغي أن يذم، و إذا صدر منه حسن ينبغي أن يمدح، إذن، فهما قضيتان عقليتان متغايرتان.
أمّا القضية الأولى: إذا عمّقنا النظر فيها، نرى أنّهم أرجعوها إلى قضية أساسية، و هي «قبح الظلم و حسن العدل»، و قالوا: بأنّ «الحسن و القبح» مرجعهما إلى هاتين القضيتين الأساسيتين و هما «قبح الظلم، و حسن العدل».