بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠١ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
الصحيح، فلو كان باب الحسن و القبح عبارة عن أحكام مجعولة على أساس المصلحة و المفسدة، للزم أن يقال بالتزاحم هنا، بينما العقلاء لا يبنون على جريان التزاحم في المقام، حيث لا يبرّرون عملية قتل الصحيح بشفاء المريض أو كثير من المرضى، و هذا معناه: انّ أخلاقية الحسن و القبح مستقل عن باب المصالح و المفاسد، و هذا برهان على عدم الربط بين الحسن و القبح و بين المصالح و المفاسد، و بالتالي فهذا منبه على واقعيّة الحسن و القبح و أنّهما صفتان ذاتيّتان واقعيّتان ليستا داخلتان في باب الجعل و الاعتبار، إذن فأساس هذه الفرضية غير تام، لأنّه لم يقل أحد من المناطقة، بأنّ الحسن و القبح من الأحكام العقلائية المجعولة من قبل العقلاء، و إنّما الّذي ينبغي أن يكون تفسيرا لهذا المسلك و هذه الفرضية، إنّما هو التفسير الثاني، و هو أنّ الحسن و القبح قضايا تصديقيّة جزمية يجزم بها الإنسان في مقابل القضايا الظنيّة، و لكن هذه القضايا ليست داخلة في باب القضايا الضرورية، أي أنّها غير مضمونة الحقّانيّة، و لهذا يقول «ابن سينا»، بأنّه لو خلق إنسان منفردا عن مجتمعه، منقطعا عن كل أحد، لما أدرك لا بعقله و لا بحسّه و لا بوهمه انّ العدل حسن، و الظلم قبيح، لأنّ هذه القضية ليست هي مدرك أوّلي للعقل أو الحسّ أو الوهم، و إنّما الإنسان حينما يعيش مع الآخرين يحصل له تصديق بهذه القضايا، إذن فهي قضية مشهورة لا ضرورية.
٢- الفرضية الثانية: في تفسير مسلك المناطقة، المتطابقة مع كلماتهم هي، انّ قضية الحسن و القبح قضية تصديقية جازمة، بمعنى أنّ كل إنسان يصدق تصديقا جازما بواقع يسميه، «الحسن و القبح»، و يرى بمنظار هذا التصديق الجزمي رؤية قطعية، إنّ هناك أمرا واقعيا خارج نطاق نفسه، و هو قبح بعض الأفعال و حسن بعضها الآخر، إلّا أنّ هذا التصديق ليس منشؤه من كون هذه القضايا ضرورية مضمونة الحقّانيّة، و الّتي حصروها بأصناف ستة هي، الأوليّات، و الفطريّات، و الحسيّات