بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٣ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
للظلم، ثابت بالضرورة لا بالإمكان، بل يستحيل أن لا يكون بالضرورة، فإنّ عقل الإنسان يدرك هذا، فهو جزء من مدركاتنا، إذ أنّنا لا نرى نسبة القبح إلى الظلم كنسبة الماء إلى المسجد، بل نرى انّ الحسن و القبح صفتان ذاتيتان لموضوعهما على حدّ ذاتية الزوجية للأربعة، فإن كان هذا هو الميزان، فهو ينطبق على مدركاتنا.
ب- الصيغة الثانية: و هي أكثر انسجاما مع كلماتهم.
و حاصلها: هو انّ الضرورة تكون بلحاظ الإدراك نفسه، بمعنى انّ الإدراك ضروري، و معنى أنّه ضروري، يعني أنّ الإدراك ناشئ من حاق القوّة العاقلة، لا من أسباب غير عقلائية، فكل قضيّة كانت ناشئة من حاق القوّة العاقلة الّتي أودعها اللّه تعالى في الإنسان، تكون قضية ضرورية مضمونة الحقّانيّة، و كل قضية لم يكن إدراكها ناشئا من حاق القوّة العاقلة، بل كانت بسبب مؤثرات غير عقلائية، «كالغضب و الشهوة» و غيرهما، تكون قضية غير ضرورية قد يحصل الجزم بها، و لكنّها غير مضمونة الحقّانيّة.
و حينئذ، على ضوء هذا قد يقال: إنّ قضية حسن العدل، و قبح الظلم ليستا قضيتين ضروريتين، لأنّهما ليستا ناشئتين من حاق القوّة العاقلة، و إنّما هما ناشئتان من أسباب أخرى، و قد حصرت القضايا الّتي يكون إدراكها من حاق القوّة العاقلة في القضايا الست، و قضية حسن العدل، و قبح الظلم ليستا منها، و هذا المطلب يمكن أن يبين ببيانين.
١- البيان الأول: هو أن يقال: بأنّ قضية حسن العدل و قبح الظلم لم ينشأ من حاق القوّة العاقلة، أو على الأقل، لا يمكن التسليم القطعي بذلك، لأنّه من المحتمل أن يكون التصديق بذلك نتيجة التأديب الاجتماعي العقلائي، حيث أنّهم أدركوا انّ المصالح العامّة تتوقف على هذه القضايا، فلقّنوا هذه القضايا جيلا بعد جيل، فكأنّ الإنسان كان