بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٥ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
في قولنا: «الأربعة زوج»، لأنّها قابلة للانقسام إلى زوجين متساويين، فهذا البرهان مستبطن في نفس «الأربعة»، و هنا قضيّة «العدل حسن»، و «الظلم قبيح» ليس من القضايا الفطرية، إذ ليس هناك برهان على الحسن و القبح مستبطن في «العدل و الظلم»، أي في «الموضوع».
فإن كانت هذه قضية ضرورية ناشئة من حاق العقل، فيقتضي البرهان أن تكون قضية أولية، و حينئذ يجب أن لا يختلف فيها النّاس، مع أنّ النّاس يختلفون هنا، فما يراه جماعة قبيحا، يراه آخرون حسنا، و ليس مجرد تصور الموضوع و المحمول فيها كافيا للتصديق بالنسبة كما هو الحال في القضايا الأولية، إذ لو كان الأمر كذلك فيها لما اختلف النّاس أصلا، مع أنّهم يختلفون كما عرفت، فهذا يثبت انّ هذه القضية ليست أولية، و حينئذ، إذا لم تكن من القضايا الضرورية، إذن فهي ليست من القضايا المضمونة الحقّانيّة.
و هذا الكلام باطل كبرى و صغرى.
أمّا بطلانه كبرويا فهو أن يقال: إنّ القضية الأولية الّتي ينبع إدراكها من حاق القوّة العاقلة لا يلزم فيها أن تكون القوّة العاقلة عند جميع النّاس قادرة على إدراكها، بل يمكن فرضها قضيّة أولية، و لكن القوّة العاقلة ببعض مراتبها تكون صالحة لإدراكها دون بعض المراتب، و نشبّه القوّة العاقلة بالإحساس البصري، فكل النّاس عندهم إحساس بصري، و وجود الهلال في الأفق قضية حسيّة أولية فيدركها الحس مباشرة، لكن ليس بالضرورة، إذ يمكن أن يفرض انّ إحساس زيد البصري ضعيف و لا يمكنه أن يدرك الهلال الّذي يدركه كل من كان له حسّ سوي، لأنّ الإدراك الحسي له مراتب من حيث القوّة و الضعف، و القوّة العاقلة بحسب قانون الحركة الجوهرية. لها قوّة و ضعف، إذن فنفس هذا نقوله في القوّة العاقلة، إذ أنّ هناك بعض القضايا لا حد