بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠٠ - ٢- الجهة الثانية في قيام الإمارات و الأصول مقام القطع الطريقي
ما تبرزه هذه الخطابات من مراتب اهتمام الشارع بأغراضه و ملاكاته الواقعية، و ما توجده من علم وجداني بهذه الأغراض و الملاكات و إن اختلفت ألسنتها، من جعل الطريقية أو المنجزية أو التنزيل أو غير ذلك، فإنّ ذلك كله ينجز الواقع المشكوك و يخرجه عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
و هذا هو نفسه، النكتة العقلائية من وراء جعل الحجيّة العقلائية للأدلة اللبية الّتي ليس فيها خطاب، عند ما تكون ممضاة من قبل الشارع بخبر على طبقها، كما في السيرة العقلائية و غيرها، و إنّما اختلاف ألسنة هذه الخطابات في جميع موارد الحكم المشكوك و السيرة مثلا، إن هي إلّا تفنّنات في التعبير لا دخل لها في حلّ المشكلة.
و يظهر من بعض كلمات المحقّق العراقي (قده) [١] في بعض الموارد، محاولة الجواب على هذه الشبهة، مع الإصرار على التمسك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و أحسن ما يقرّب به كلامه هو أن يقال:
إنّ الخطاب الظاهري في موارد الإمارة أو الأصل المعلوم وجدانا، أمره مردّد، بين أن يكون مطابقا للواقع، أو لا يكون مطابقا، فإن كان مطابقا للواقع، فهذا الخطاب الظاهري هو نفسه حكم واقعي منجز، لأنّنا لا نريد بالخطاب الواقعي المنجز عقلا إلّا الخطاب الّذي وراءه مبادئ حقيقية و ملاكات.
و إن كانت الإمارة غير مطابقة للواقع بل كانت خطابا ظاهريا فارغا، إذن هذا الخطاب ليس وراءه شيء من الملاكات و المبادئ، و حينئذ، يكون هذا حكما صوريا لا واقعيا، و بما انّ أصل هذا الخطاب الظاهري معلوم لنا وجدانا، حينئذ، إذا ضممنا هذين الأمرين، و هو إنّا
[١] مقالات الأصول: العراقي، ج ٢، ص ١٨.