بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣١ - و جوابه
و أمّا ثانيا: فلأنّ ما مثّل به، و هو حرمة العصير العنبي إذا غلى، فهو أيضا غير صحيح، لأنّ هذا المفضول لم يكن من حقّه إجراء أصالة البراءة من أول الأمر، و ذلك لأنّ البراءة مشروطة بالفحص، و لمّا كان يعتقد بوجود من هو أعلم منه، فلا بدّ و أن يرجع إلى الأعلم قبل إجراء البراءة، و عليه: فيرجع الإشكال.
و يمكن القول: بأنّ مثل هذا المجتهد المفضول جاهل، لأنّه لا يحصل له اليقين بالحكم، و حينئذ، فيجب عليه التقليد فضلا عن عدم جواز إفتاء غيره و الرّجوع إلى الأعلم من باب رجوع الجاهل إلى العالم، و بهذا تشكل العبارة الّتي تسطّر في إجازات الاجتهاد من «انّه يحرم عليه التقليد»، و إن كان في النّفس من العبارة شيء.
و يمكن الإجابة عنه و تصوير إمكان حصول اليقين بالحكم بالنسبة للمفضول، و ذلك لأنّ كل ما تقدّم كان مبنيا على كون المجتهد المفضول يعترف بكونه مفضولا، و أمّا إذا كان لا يرى نفسه مفضولا فلا إشكال بالنسبة إليه، و لكن الإشكال حينئذ في تقليد العامي له و رجوعه إليه حيث أنّه ليس من أهل الخبرة لكونه جاهلا بالنسبة إلى الأعلم، إذ ما قد يتيقّن منه من الحكم الأعمّ من الواقعي و الظّاهري قد يكون نتيجة جهله المركب، و مثل هذا العلم المستند إلى الجهل المركب لا يكون مشمولا لدليل رجوع الجاهل إلى العالم.
و توضيح ذلك هو، أن يقال: بأنّ هذا الإشكال كان مبنيا على كون الأعلمية تقتضي وجود التفاتات و انتباهات لدى الأعلم بها يمتاز الأعلم عن المفضول، و كل هذه الالتفاتات واقعة في موارد الاختلاف بين الأعلم و المفضول و الّتي لأجلها قيل بعدم حصول اليقين للمفضول ما دام يحتمل أنّ الأعلم يبينها له إذا رجع إليه.
و أمّا في موارد الاتفاق، فيكون بنفسه دليلا على التفاتهما