بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٠ - و جوابه
أعلم، فهنا: و إن حصل له يقين، و يكون يقينه هذا معذرا و منجزا بالنسبة إليه، إلّا أنّه لا يجوز لغيره من العوام أن يرجعوا إليه بعد فرض اطلاعهم على كونه جاهلا مركبا.
و بهذا يتبرهن أنّه لا يجوز تقليد المفضول بكلا قسميه.
و قد يقال في مقام الجواب عن هذا الإشكال: بأنّ المفضول العالم بحقيقته، إذا رجع إلى الأعلم، فليس معنى هذا أنّه يخطّئه في الحكم، و إنّما يخرجه من موضوع إلى موضوع، حيث ينقلب حكمه الظّاهري، لأنّه سوف يرتفع عدم وجدانه للحجّة على الخلاف بوجدانه لها، فمثلا:
المفضول الّذي لا يجد دليلا على حرمة العصير العنبي إذا غلى، تجري في حقّه البراءة، و هذا الأصل حينئذ جار في حقّه حقيقة، لكنّه إذا رجع إلى الأعلم، فإنّه ينبّهه إلى وجود دليل على الحرمة لم يكن المفضول ملتفتا إليه، فبهذا التنبيه يخرج المفضول عن كونه موردا للبراءة، لأنّه خرج عن كونه غير عالم بالحرمة، إلى كونه عالما بها، و هذا نقل له من موضوع إلى موضوع آخر و ليس تخطئة له بالحكم، لأنّ أصل البراءة كان جار في حقّه حقيقة قبل اطّلاعه على دليل الحرمة، و عليه فلا مانع من حصول اليقين بالحكم بالنسبة إلى المفضول.
إلّا أنّ هذا الكلام غير صحيح:
أمّا أولا: فلأنّ ما ينكشف بالمباحثة مع الأعلم قد لا يكون من باب رفع الموضوع، بل قد يكون بتبديل المحمول و الحكم، مع حفظ الموضوع، كما لو كان هناك خطأ في تشخيص الحكم الواقعي أو الظّاهري، بأن كان قطعه به خاطئا، كما لو كانت المسألة عقليّة، كما لو فرض أنّه كان يرى استحالة الترتب، و الأعلم يرى إمكانه، فهو يحتمل لو تباحث معه لأقنعه بإمكانه، و هكذا لو كان جازما بظهور عرفي و هو غير صحيح، و هكذا في كثير من موارد الأحكام الواقعية و الظّاهرية.