بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٢ - و جوابه
و تنبههما معا إلى جميع هذه النكات، إلّا أنّ فرض وجود هذه الانتباهات كلّها في موارد الاختلاف بينهما أمر غير مبرهن، لاحتمال أن تكون هذه الانتباهات كلا أو بعضا في موارد الاتفاق، إذ ربّما يتفقان في النتيجة مع خطأ غير الأعلم في طريقة الاستدلال و منهجيته، و حينئذ، فمن المعقول أن يحصل للمجتهد غير الأعلم يقين بالحكم الأعمّ من الواقعي و الظّاهري في مسألة، بنحو يخالف رأي الأعلم رغم اعترافه بالمفضولية، و ذلك لعدم احتمال أن يكون شيء من تلك الالتفاتات و الانتباهات في تلك المسألة الّتي خالف فيها الأعلم بالخصوص، فإنّنا إذا أجرينا حساب الاحتمال يظهر أنّه لا مانع من حصول اليقين للمفضول في الحكم في موارد الاختلاف مع الأعلم.
و لتوضيح ذلك، نذكر مثالا: لنفرض أنّ مجموع المسائل و عمليات الاستدلال المستنبطة في كل منها كثيرة، بحيث لا تشكّل موارد الاختلاف بينهما إلّا جزءا ضئيلا، بحيث يكون احتمال وقوع خطأ فيها- نتيجة عدم انتباهه- ضعيفا بدرجة يكون الاطمئنان على خلافه، فمثلا: لو فرض أنّ مجموع المسائل الشرعيّة تسعة، و نفرض أنّ لكلّ مسألة خمسة أدلة، و معنى ذلك، أنّه يوجد في كلّ مسألة خمس عمليّات استدلالية، قد تكون خاطئة، و قد تكون صائبة، و عليه: فيكون مجموع العمليات الاستدلالية في المسائل التسعة، خمسة و أربعون عمليّة، و كل من الأفضل و المفضول مارس مجموع هذه العمليات، و تبيّن في النتيجة أنّهما اتفقا في ست مسائل، و اختلفا في ثلاثة منها، و هذا المفضول يعلم بوجود انتباهات لدى الأعلم قد غابت عنه، و لنفرض أنّ تلك الانتباهات هي ثلث مجموع العمليات الاستدلالية، أي أنّه في كل ثلاث عمليات يعلم بوجود انتباه، و نتيجة ذلك، انّ ما يتميّز به الأعلم هو خمسة عشر انتباها، و هذه الخمسة عشر يحتمل وجودها في ضمن المسائل الاتفاقية،