بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٩ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
خلافها، فمن أين يعرف حال ذلك العاقل الأول، و انّه كان يدرك الحسن و القبح أم لا، نعم نحن نجزم بأنّه كان يدرك قياسا على أنفسنا و من خلال وجداننا، و هذا الوجدان هو الأساس في اعتقادنا بأنّ ذاك العاقل كان يدرك الحسن و القبح، و عليه، فالأصل في هذه الدعوى هو الوجدان، و حينئذ فإن قبلنا هذا الوجدان، إذن فلندّعه من أول الأمر، و إن لم نقبله، فلا يتمّ هذا البرهان، لعدم علمنا بأنّ العاقل الأول كان يدرك الحسن و القبح أم لا.
و لكن الوجدان- كما عرفت- قائم على وجود حسن و قبح، و هذا الوجدان لم ينكره الأرسطيّون أنفسهم على ما يصرح به أرسطو نفسه، و ابن سينا [١] في منطق الشفاء، حيث يقولون إنّ القضية المشهورة قضية تستبطن تصديقا جازما، و هذا لا معنى له إلّا إذا فرض واقع مرئي بهذه القضية، هذا من ناحية وجدانية.
و أمّا من ناحية برهانية و استدلالية، فيمكننا نقض هذه الفرضية بما حاصله: هو انّ هذه الفرضية تربط بين الحسن و القبح و بين إدراك المصالح و المفاسد، فتعتبر انّ حكم العقلاء بالحسن و القبح تابع لإدراك المصلحة و المفسدة، بينما هذا لا يفسّر وجداناتنا الأخلاقية [٢] في باب الحسن و القبح، فإنّ وجداناتنا تبرهن على أنّ الحسن و القبح مستقل بنفسه و أجنبي عن باب المصالح و المفاسد، و من جملة هذه الوجدانات المنبهة على ذلك هو ما أبرزناه في بحث التجري حيث قلنا إنّ قبح التجري و العصيان على نحو واحد، إذ وحدة درجة القبح في شارب الخمر عصيانا و في شارب الخل متوهما أنّه خمر، مع عدم وحدة درجة المفسدة يكشف عن أنّ القبح غير المفسدة، فإنّه من الواضح انّ مفسدة
[١] منطق الشفاء: ابن سينا، ج ٣، ص ٦٣، ٦٤، ٦٦. و ١٢٠، ١٢١، ١٢٢.
[٢] منطق الشفاء: ج ٣، ص ٦٥، ٦٦، ٦٧. النجاة: ابن سينا، ص ٢٩، ٣٧، ٣٨.