بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٧ - ٢- الجهة الثانية هي أنّه لو قطعنا النظر عن نفس التقسيم، و نظرنا نظرة ثبوتية إلى الوظائف من حيث موضوع إجرائها، فهل يختصّ بالأحكام الواقعية المشكوكة، أو أنّه يمكن إجراؤها بلحاظ الأحكام الظّاهريّة المشكوكة
و الّذي ينبغي أن يقال في المقام هو، التفصيل بين هذه الوظائف، غير التنزيلية منها «كالبراءة و الاشتغال»، و بين التنزيلية منها، «كالاستصحاب و سائر الإمارات».
أمّا بالنسبة للأصول غير التنزيلية، كالبراءة، و الاشتغال، فقد يتوهم إمكان ذلك في البراءة، بتقريب: انّه تارة يشك في وجوب السورة واقعا، فتجري البراءة عن وجوبها الواقعي، و تارة أخرى يشكّ في وجوب الاحتياط في موارد الشك فتجري البراءة عن وجوب الاحتياط.
و من المعلوم أنّ وجوب الاحتياط حكم ظاهري، ففي المقام جرت البراءة عن الحكم الظاهري كما جرت عن الحكم الواقعي.
إلّا أنّ هذا الكلام غير تام، لأنّا نقول: إنّه في حالة إجراء البراءة عن الحكم الظّاهري، هل نجريها عن الحكم الواقعي المشكوك أم لا؟
فإن قيل بالأول، ففيه: إنّه إذا جرت في الحكم الواقعي، فهذا وحده كاف، لأنّه بإجرائها في الحكم الواقعي يحصل التأمين، و معه لا يترقب تنجيز في مرحلة الظّاهر، لأنّه ليس للظاهر امتثال مستقل في قبال الواقع، و عليه: فلا حاجة لإجرائها في الحكم الظّاهري.
و إن قيل بالثاني ففيه: إنّ إجراءها عن الحكم الظّاهري وحده لا يكفي، لأنّا نحتاج إلى مؤمّن بالنسبة للحكم الواقعي، و لا مؤمّن سوى البراءة، و عليه: فالصحيح في المقام، انّ أصالة البراءة تجري في الحكم الواقعي، و الدليل الدال على جريانها فيه هو بنفسه دليل اجتهادي على عدم وجوب الاحتياط بنحو الدلالة الالتزامية، فدليل البراءة ينفي الحكم الظّاهري التزاما، باعتبار المنافاة بين الأحكام الظّاهرية العرضية كما هو محقق في محله.
و بهذا يثبت أنّ الحكم الظّاهري لا يكون موضوعا لأصالة البراءة على نحو الاستقلال.