بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٦٩ - ٢- التنبيه الثاني و فيه نتعرّض لثمرة ذكرها المحقّق العراقي
أحدهما: صلاحية العبادة للتقرّب نحو المولى، بحيث يكون العمل منسوبا إلى المولى بنحو من أنحاء النسبة.
و ثانيهما: هو أن يؤتى بالفعل بداعي المولى و من أجله، فمثلا:
إكرام عدو المولى لا يمكن أن يكون عبادة و تقربا نحو المولى، لأنّ هذا الفعل ليس مضافا إلى المولى بوجه، إذن فالشرط الأول مختل، بينما إكرام ابن المولى لكن دون قصد التقرب نحو المولى، فأيضا الشرط الثاني مختل فيه، لأنّه لم يؤتى به من أجله و بداعيه، لأنّ حال المولى في فرض الفعل ليس أحسن منه على تقدير ترك الفعل، إذن، فلا تقع الجمعة عبادة و صحيحة. بينما العراقي (قده) لأنّه كان يبني على عدم قبح الفعل المتجرّى به و عدم كونه ظلما للمولى، إذن فالشرط الأول متحقّق عنده، و لذا ذهب إلى صحة العبادة و أنّها صالحة للتقرّب إلى المولى.
و لكن لم يلتفت العراقي (قده) إلى أنّه لا بدّ و أن يكون الداعي حقيقة للإتيان بالفعل هو المولى و قصد التقرّب منه، و هذا أمر يستحيل تحقّقه من هذا المكلّف قبل انكشاف الخلاف، لأنّه حين العمل كانت الحرمة منجزة عليه، و هذا يعني- أنّه حتّى بناء على عدم القبح- أنّه يحتمل انّ هذا الفعل فيه هتك للمولى و ظلم له، لأنّه يحتمل مطابقة الإمارة للواقع، و لا يحتمل أن يكون تركه ظلما، إذن، كيف يعقل أن يكون ترجيحه للفعل على الترك من أجل المولى.
و بعبارة أخرى: لا يمكن أن يكون الداعي لترجيح الفعل على الترك هو المولى نفسه، كما لو أمر عبده بإكرام فلان، لكن العبد يرى أنّه خلاف مصلحة مولاه، فيتجرأ على عصيانه حفظا لمصلحة المولى.
إلّا أنّ هذا لا يكون في المولى الحقيقي الّذي لا يتصور بحقّه أن يكون له مصلحة في الواجبات.