بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٥٤ - ٢- الجهة الثانية من المرحلة الثانية و هي أنّ العلم الإجمالي بعد الفراغ عن تأثيره و تنجيزه لوجوب الموافقة القطعية، يقع الكلام في انّ هذا التأثير هل هو بنحو العليّة، أو الاقتضاء؟
العلم التفصيلي لا يمنع عن جريان البراءة المرخّصة في المخالفة الاحتمالية، مع أنّه لا يلتزم أحد بإجراء البراءة في موارد العلم التفصيلي فيما إذا كانت المخالفة الاحتمالية واردة، و ذلك كما لو فرض أنّه وجبت عليه صلاة الظهر، و علم المكلّف بذلك الوجوب تفصيلا، ثمّ شكّ في امتثاله و أنّه أتى بها أم لا، ففي مثله، يرجع الشكّ إلى الشكّ في بقاء الوجوب و سقوطه، و حينئذ، بناء على القول بالاقتضاء لا مانع من جريان البراءة عن الوجوب، مع أنّه لا يلزم منه مخالفة قطعية للعلم التفصيلي، و إنّما يلزم منه المخالفة الاحتمالية لاحتمال أن يكون قد أتى و امتثل هذا الوجوب، مع أنّه لا إشكال عندهم في انّ المقام من موارد أصالة الاشتغال، باعتبار أنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، مع أنّه لو بنيّ على عدم عليّة العلم التفصيلي لوجوب الموافقة القطعية و جواز الترخيص في المخالفة الاحتمالية لتعين إجراء البراءة، و تكون حينئذ حاكمة على أصالة الاشتغال.
و قد يقال في الجواب عن هذا النقض، انّ عدم جريان البراءة في المقام ليس باعتبار انّ المقام ليس من مواردها، بل باعتبار انّها محكومة لاستصحاب حكمي، و هو استصحاب بقاء الوجوب السابق، فإنّ هذا المكلّف بعد أن يشكّ في الامتثال، يشكّ في بقاء الوجوب السابق، و حينئذ، يستصحبه، أو أنّها محكومة لاستصحاب موضوعي، و هو استصحاب عدم الامتثال، فإن عدم الامتثال هنا استصحاب موضوعي، إذن فالبراءة هنا لا تجري باعتبار الأصل الحاكم.
و هذا البيان لا يكفي لدفع هذا النقض و ذلك لوضوح أنّه لا يوجد أحد يلتزم بأنّ البراءة تجري لو لا الاستصحاب، فإنّ غاية ما يفيده هذا البيان أنّ البراءة لا تجري لوجود أصل حاكم عليها، مع أنّه من المسلّم به انّ هذا المورد في نفسه ليس مورد للبراءة، بل هو مورد لأصالة