بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٨ - و جوابه
و لو فرض أنّه تنزلنا و قلنا بأخذ نفس اليقين موضوعا للاستصحاب، فلا إشكال أيضا، بناء على قيام الإمارة مقام القطع الموضوعي و اليقين السابق، فإنّ يقين المجتهد بثبوت الحكم في الحالة السابقة، هو بنفسه يكون دليلا و علما تعبّديا للعامي في إثبات الحالة السابقة، فيكون الرّجوع إليه في هذه المسألة محقّقا لموضوع الاستصحاب في المسألة اللاحقة.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في مقام الجواب عن دعوى اختصاص الأحكام الظّاهرية بالمجتهد.
إلّا أنّه مع ذلك، فهذه الأجوبة الثلاثة لا تكفي في تصحيح الإفتاء في بعض الموارد إلّا إذا ضمّ إليها الجواب الثاني الّذي ذكرناه في المقام الأول.
و توضيح ذلك هو، انّ المجتهد حين الإفتاء، تارة يفتي بشيء يكون علمه طريقا إليه، سواء أ كان ما أفتى به حكما واقعيا «كحرمة شرب الخمر»، أو ظاهريا «كحرمة العصير العنبي إذا غلى»، فإنّ إفتاءه بذلك إنّما هو لصحيحة زرارة، فهي الحجّة في المقام، و علمه طريق إلى هذه الحجّة، و هذا الإشكال فيه.
و أخرى يفتي بحكم، و يكون هذا الحكم في طول علمه، لا أنّ علمه كاشف عنه، كما في موارد العلم الإجمالي، فإنّ الفقيه يفتي بأصالة الاشتغال باعتبار منجزيّة العلم الإجمالي، فحكمه بأصالة الاشتغال في طول علمه، لا أنّ هذا الحكم منكشف بعلمه.
و حينئذ يقال: إنّ الإفتاء بأصالة الاشتغال في طول حجيّة هذا العلم، و هذا العلم هو حجّة في حق نفسه فقط دون العامي، إلّا إذا تعيّن على العامي تقليده، و من هنا لا ينحل الإشكال إلّا بواسطة التقليدين الطوليّين كما عرفت في الجواب الثاني الّذي ذكر في المقام الأول، فإذا ضمّ ذلك الجواب الثاني إلى أحد هذه الأجوبة الثلاثة يندفع هذا الإشكال.