بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٣ - ١- المقام الأول في العقل الأول
بداهة تفصيلية، و لا بداهة إجمالية، و لا مستنبطة بقانون العلية، و لا أنّه ليس لدينا معرفة موزونة بالواقع الموضوعي الخارجي للمحسوسات.
و إنّما الصحيح بناء على ما اكتشفناه من الأسس المنطقية للاستقراء هو، معرفتنا بالواقع الموضوعي للمدركات الحسيّة جملة و تفصيلا قائمة على أساس حساب الاحتمالات، غاية الأمر انّ هذا الحساب يشتغل بالفطرة عند الإنسان، و بعقل رزقه اللّه تعالى، سمّيناه بالعقل الثالث، في قبال العقلين الأول و الثاني آنفي الذّكر.
و نحن حينما نقارن إحساساتنا في عالم اليقظة بإحساساتنا في عالم الرؤيا، ندرك بأنّ إحساساتنا في عالم الرؤيا ليس لها مطابق واقعي إلّا أوهام شيخ الإشراق، و هذا بخلاف الإحساسات في عالم اليقظة، فإنّا ندرك بأنّ لها واقع موضوعي، مع أنّه إذا لوحظت هذه الإحساسات بكل منها نجد أنّه لا فرق بين هذه الصورة و تلك من حيث وضوح الصورة، لأنّ الإحساس بكل منها وجداني لا يفرق بينها.
نعم هناك فرق بينهما، هو، أنّ المحسوس في عالم اليقظة بما أنّه يدرك مرّات عديدة و في أزمان مختلفة حيث يشكل هذا التكرار قرائن احتمالية تتجمع بحساب الاحتمال على المدركات الحسيّة للتغطية على ثبوت صورتها لواقعها الموضوعي، إذ أنّ تكرر صورتها بشكل ثابت و مستمر على نهج واحد مدّة طويلة، يقتضي بحساب الاحتمالات انّ هذه الصورة ليست مخلوقة لي، بل توجب بحساب الاحتمال ثبوت حقيقة موضوعية للمدرك خارجا بعيدا عن الخيال و الوهم و مع قطع النظر عن تصوّر المدرك.
و هذا بخلاف المدرك المحسوس في عالم المنام، حيث أنّ الصورة فيه سريعة التقلّب و التغيّر، ممّا لا يحصل بحساب الاحتمال ما يوجب ثبوت حقيقة موضوعية له.