بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٢ - ١- المقام الأول في العقل الأول
و كأنّ بعض الفلاسفة [١] المسلمين المتأخرين تنبه إلى أنّه لا يمكن الالتزام بأنّ معرفة الواقع الموضوعي أوليّة، إذ لو كانت أوليّة للزم أن لا تخطى- كما يعتقدون- معرفة حسيّة أبدا، بينما الخطأ في الحواس موجود، إذ أنّ خداع الحواس كثير، و معه، كيف يقال بأنّ الإدراك الحسّي معرفة أوليّة؟ و كأنّه لأجل هذا، أراد هذا الفيلسوف المسلم أن يتخلص من هذا المحذور، فبنى على أنّ المعرفة الحسيّة بنحو القضية الإجمالية هي أوليّة، بمعنى أنّ بعض الإحساسات بالجملة لها مطابق في الواقع، إذ ليست كل هذه الأشياء الّتي نحسّ بها من حولنا مجرد خيالات، و لذلك ادّعى البداهة و الأوليّة فيها.
و نحن في كتاب فلسفتنا قبل الأسس المنطقية للاستقراء، اتجهنا إلى علاج آخر، فبنينا على أنّ المعرفة هنا في القضايا الحسيّة معرفة مستنبطة بقانون العلية، باعتبار ان الصورة الحسيّة حادثة لا بدّ لها من علّة، و قانون العلية قضية أوليّة أو مستنبطة من قضية أوليّة، فما أحسّ به بالذات هو الصورة و إلّا كيف حصلت هذه الصورة في أفق النّفس؟ إذن، فعن طريق قانون العلية نثبت الواقع الموضوعي للصورة الحسيّة.
و في مقابل هذه الاتجاهات الثلاثة اتجاه المثاليين، حيث أنّهم يقولون بأنّه لا معرفة أوليّة لنا بالواقع الموضوعي أصلا، بل انّ هذه الموجودات المحسوسة كلها، ليس لها واقع خارجي وراء الصور الذهنية القائمة في النّفس، إذن فتمام ما نعرفه هو المحسوس بالذات.
و أمّا المحسوس بالعرض فلا معرفة لنا به.
و كل هذه الاتجاهات الفلسفية الأربعة الّتي تذبذب بها الفكر البشري خلال ألفي عام غير صحيحة، فالمعرفة الحسيّة ليست بديهية
[١] العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي (قده).