بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٣ - ٢- المقام الثاني في العقل العملي
و كأنّ المعلقين الأصوليين على هذه الشبهة، أرادوا الجواب عنها، سواء كانت شبهة للتشكيك الإثباتي، أو الثبوتي، و ذلك ببيان: أنّه لا اختلاف في كبرى العقل العملي أصلا، و إنّما الاختلاف في تشخيص الصغرى و المصداق، لأنّ كبرى العقل العملي، مرجعها إلى قضيتين كليتين، و هما حسن العدل، و قبح الظلم، و هاتان القضيتان لا اختلاف فيهما بين العقلاء في مختلف المجتمعات و الأعراف، و كل الاختلاف الّذي يقع بينهم إنّما يقع في تشخيص الصغرى، حيث انّ بعضهم يقول:
انّ هذا العمل ظلم، و يقول البعض الآخر، انّ هذا العمل ليس ظلما، و من ثمّ يدرجه كل منهما في قضية من تينك القضيتين، و هذا لا يضرّ في حقّانية الكبرى و العقل العملي المدرك لها.
و هذا الكلام بهذا البيان صوري، لأنّ هؤلاء الأعلام جعلوا من هاتين القضيتين- «قبح الظلم، و حسن العدل»- كبرى كلية للعقل العملي، و جعلوا تمام القضايا الأخرى تطبيقا لهذه الكبرى، فكأنّ العقل العملي أوّل ما يحكم، يحكم بقبح الظلم، ثمّ يطبّق قياسا من الشكل الأول، فيقول: هذا ظلم، و كل ظلم قبيح، فهذا قبيح، و الخطأ هنا في هذا القياس، يكون في اختيار الحد الأوسط المناسب الّذي جعلوه واسطة في إثبات الأكبر للأصغر.
و نحن قد حلّلنا هذه القضية، و قلنا في بحث التجرّي، انّ قضية «الظلم قبيح»، ليست قضية أوليّة من مدركات العقل العملي، بل و لا يعقل كونها كذلك، و إنّما هي قضية ضرورية بشرط المحمول، و ذلك لأنّ قولنا: «الظلم قبيح»، من قبيل قولنا، «القبيح قبيح»، باعتبار انّ معنى الظلم، «العدوان، و التعدّي» و معنى التعدّي هو، الخروج عن الحدّ، و الحدّ هو ذلك الضابط الّذي يدركه العقل، و يرى أنّه لا ينبغي للإنسان أن يتعدّاه، لا أنّه لا يمكن تعدّيه تكوينا، إذن، مفهوم «لا