بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٦٥ - ١- التنبيه الأول فى صدق التجرى على من حصل على مؤمّن على الارتكاب، و لكنّه أقدم على المشتبه برجاء مصادفة الحرام
التمامية، فإنّ ذلك البيان لا يتم، و ذلك لأنّ التجري في طول الامتثال و العصيان للحكم المتجرى بلحاظه، و هو الحرمة الوهمية الّتي يعتقدها، لا في طول امتثاله الوجوب الواقعي الّذي لم يصل إلى المكلّف.
و نحن نتكلم عن التوفيق بين حيثيّة التجري، و الوجوب الواقعي، لا بين حيثيّة التجري، و الحرمة، كما لو فرضنا أنّ صلاة الجمعة واجبة، لكن هذا المكلّف تخيّل حرمتها، و تجرّى فصلّاها، فهنا، انتزاع عنوان التجري عن حرمة الجمعة المتخيّلة، هو في طول حرمتها الخيالية، فإنّه لو لا ذلك لما انتزع عنوان التجري، لا أنّه لو لا وجوبها الواقعي لما انتزع عنوان التجري، إذن فانتزاع عنوان التجري في طول الحرمة الخيالية، فيكون تعدّد المرتبة الطولية إنّما هو بين التجري، و بين الحرمة الخيالية، لا بين التجري و الوجوب الواقعي.
بينما نحن نتكلم عن التوفيق بين التجري و الوجوب الواقعي، و هذان الأمران لا طولية بينهما، إذن فحديث الطولية لا ينفع و لا ينطبق على المقام.
و إنّما الصحيح أن يقال: بأنّه لا تنافي أصلا بين قبح التجري، و الوجوب الواقعي، و ذلك، لأنّ التنافي بينهما إنّما يكون لو أرجعنا باب الحسن و القبح إلى باب المصالح و المفاسد، فإنّه حينئذ يقال: بأنّ هذا الفعل مقتضى وجوبه الواقعي، أنّه فيه مصلحة ملزمة، و بمقتضى قبح التجري ذاك، أنّه فيه مفسدة ملزمة، فالتنافي مبني على ذلك.
و قد عرفت أنّهما بابان، لا باب واحد، و لا تنافي بين كون شيء فيه مصلحة ملزمة، و بين قبح بحكم العقل، و لا يجتمعان.
٤- النقطة الرابعة: هي أنّه لو قلنا بحرمة التجري، مضافا إلى قبحه، فإنّه حينئذ يقال: كيف نوفق بين الوجوب الواقعي، و بين الحرمة الشرعية؟.