بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٦٠ - المقام الثالث في حرمة الفعل المتجرى به شرعا
الطائفة الأولى على قصد المعصية مع عدم الارتداع عن قصده حتّى حيل بينه و بين العمل بقصده، و بحمل الطائفة الثانية على ما إذا ارتدع عن قصده بنفسه، و ذلك بتطبيق كبرى انقلاب النسبة، لأنّ النبوي المتقدّم يدلّ ذيله على العقاب، فتخصص الطائفة الأولى بفرض عدم الارتداع.
و هذا الجمع مضافا إلى عدم قبول مبناه، و هو كبرى انقلاب النسبة، غير صحيح، لأنّ النبوي إمّا أن يستظهر منه حرمة نفس الالتقاء بالسيف كحرام مستقل كما يفهم ذلك من إرادة القتل في ذيل الرواية، إذن لا يكون هذا عقابا على التجري، بل على نفس تجريد السيف فإنّه معصية حرام كحرمة سبّ المؤمن بغض النظر عن القتل، و إمّا أن تحمل إرادة القتل فيها على مجرد قصد القتل، و حينئذ، لا وجه لدعوى اختصاصها بما إذا لم يرتدع، إذ أنّ قصد القتل و إرادته أعم من ذلك، اللّهمّ إلّا أن يقال: انّ القدر المتيقن من هذه الطائفة و موردها هو ذلك.
و لكنّه قد حقّق في محله أنّ مجرد وجود قدر متيقن بين الطائفتين المتعارضتين لا يكون وجها للجمع العرفي بينهما عن طريق تخصيص كل منهما بمضمون هذا المتيقن.
و الصحيح هو حمل الطائفة الثانية على نفي فعليّة العقاب تفضلا و منّة من اللّه تعالى على عباده، لأنّها ليست ظاهرة في أكثر من ذلك، بل في ألسنة بعضها القرينة على ذلك، من قبيل ما دلّ على- انّ اللّه تفضّل على آدم على أن لا يكتب على ولده و ذريته ما نووا ما لم يفعلوا [١]- و كذلك ما دلّ على أنّ الملائكة الموكلين بتسجيل الذّنوب يمهلون العباد و لا يكتبونها بمجرد النيّة و قصد المعصية [٢]، فإنّ هذه الألسنة
[١] الوسائل: ج ١، ح ٨، ص ٣٧. و ج ١١، باب ٩٣، ح ١، ص ٣٦٩.
[٢] نفس المصدر: ح ٢٠- ٢١، ص ٣٩.