بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٠٩ - ١- الجهة الأولى في أصل تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية
و لعلّه لأجل هذا أو شيء آخر عدل المحقق العراقي (قده) عن المبنى الثاني المشهور إلى المبنى الثالث في تصوير العلم الإجمالي، فذهب إلى انّ العلم الإجمالي ليس متعلقا بالفرد المردّد، و ليس متعلقا بالجامع، بل هو متعلق بالواقع و قد ذكر أنّه بلغه أنّ بعض أهل الفضل من المعاصرين يذهب إلى تعلقه بالجامع و أنّه لا تفاوت بينه و بين العلم التفصيلي في حيثيّة العلميّة، و إنّما الفرق بينهما في المعلوم، حيث أنّه في التفصيلي صورة الفرد، و في الإجمالي صورة الجامع مع الشك في الخصوصية الفردية.
ثمّ انّ المحقق عقّب على هذا الكلام، بأنّه غير تام: بل الصحيح هو انّ العلم الإجمالي و التفصيلي لا يختلفان من جانب المعلوم، بل يختلفان من جانب نفس العلم مع كون المعلوم فيهما معا هو الواقع، كالتفصيلي، أي بالفرد المعيّن، لكن فرق بين نفس العلمين، فالتفصيلي عبارة عن مرآة صافية لهذا الواقع لا غبار عليها، بينما العلم الإجمالي مرآة عليها غبار و إجمال يكتنف هذا الواقع، بما يوجب الشك في تطبيقه، و إلّا فكلاهما مرآة للواقع، و يقرب هذا بمثال عرفي، فالتفصيلي و الإجمالي يشبهان بالإحساس، فتارة نحسّ بزيد و هو أمامنا، و أخرى نحسّ به و هو بعيد عنّا و كأنّه شبح، فحينما نراه قريبا، نعلم بأنّه زيد بلا شك، و حينما نراه من بعيد كالشبح، فنحن أيضا نرى واقعا يحتمل أن يكون زيدا، و يحتمل أن يكون عمروا، لكن في كلتا الحالتين الإحساس متعلق بالواقع و هو ذلك الفرد المعيّن، و عليه: فلا فرق بين التفصيلي و الإجمالي من ناحية المعلوم، و إنّما الاختلاف من ناحية نفس العلم، بعكس ما جاء في المبنى الثاني.
و كأنّ المحقّق العراقي (قده) طرح هذا التصور لهذا المبنى بنحو الاستبداد من دون أن يتصدّى لإقامة برهان عليه.