بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٩٨ - التنبيه الثالث من تنبيهات القطع، هو البحث عن وجوب الموافقة الالتزامية في التكليف الشرعي و عدمه
بلحاظ الموافقة العملية، لأنّ المخالفة الاحتمالية قهرية سواء جرت الأصول أم لا، و المخالفة القطعية مستحيلة سواء جرت الأصول أم لا، إذن لا محذور من ناحية المخالفة العملية، لكن قد ينشأ محذور من ناحية المخالفة الالتزامية، كما لو تعبّدنا بعدم الوجوب، و عدم الحرمة، فمعناه أنّه لم نلتزم بحكم اللّه تعالى في هذه المسألة الدائرة أمرها بين الوجوب أو الحرمة، إلى غير ذلك من الموارد الّتي تظهر فيها ثمرة المخالفة الالتزامية، و قبل الدخول في تحقيق الحال في ذلك، لا بدّ من بيان معنى الموافقة الالتزامية الّتي يدّعى وجوبها حيث يحتمل فيها عدّة احتمالات.
و قبل بيان هذه الاحتمالات، لا بدّ من شرح معنى الموافقة الالتزامية فنقول: إنّ الموافقة الالتزامية هي عبارة عن فعل نفساني واقع تحت اختيار المكلّف، و هذا الفعل هو سنخ توجّه مخصوص من قبل النّفس نحو مطلب «ما» بحيث ينتزع من هذا التوجّه مفهوم الخضوع و التسليم و الانقياد، و هذا أمر اختياري للنفس، إذن، ليست الموافقة الالتزامية مجرد القطع و اليقين و العلم بالمطلب، إذ قد يفرض أنّ الإنسان يحصل له اليقين بنبوّة إنسان أو إمامته أو أعلميته، لكنّه مع هذا لا يلتزم بذلك، بمعنى أنّه لا يتوجه إلى هذه النّبوّة أو الإمامة توجها نفسيا خاصا بحيث ينتزع منه عنوان الخضوع و الانقياد لذلك النّبيّ، بل هو في مقام التوجيه يعرض عنه و إن كان في واقع نفسه يقطع بأنّ هذا نبي.
و من هنا يعلم، انّ الالتزام ليس مساوقا لليقين و القطع، بل معناه ما تقدّم، إذن فهو من أفعال الجوانح و ليس من أفعال الجوارح.
و حينئذ، يقع الكلام، في أنّ الحكم الشرعي كما يستدعي فعلا جارحيا، فهل يستدعي فعلا جانحيا بحيث نتوجّه إلى الحكم الشرعي توجها مخصوصا، و المعبّر عنه بالالتزام بالنحو الّذي عرفت أم لا؟.