بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٠ - ١- المقام الأول في العقل الأول
هذا الاحتمال أكثر لو أعطينا شخصا ثالثا قرصا من الأسبرين، حيث يضعف احتمال كون حادثة أخرى اقترنت صدفة مع الأسبرين، و هكذا يضعف أكثر لو أعطينا قرص الأسبرين شخصا رابعا و شفي، إلى أن يصبح احتمال استناد الشفاء لأمر آخر غير قرص الأسبرين ضعيف جدا بحيث لا يؤثر على احتمال استناد الشفاء إلى قرص الأسبرين الّذي أعطيناه للمريض، لأنّه لو لم يكن الأسبرين هو سبب شفائه لكان معناه اجتماع ثلاث أو أربع صدف و هذا بحسب حساب الاحتمالات ضعيف، فإنّه كلّما تكاثرت التجربة و كانت النتيجة واحدة ضعف احتمال الصدفة، لأنّ ضرب مجموع الاحتمالات ببعضها يضعفها، إذن، فقضية «انّ الاتفاق لا يكون دائميا ليست قضية قبلية بديهية، بل هي قضية بنفسها استقرائية ثبتت بحساب الاحتمالات، و بهذا يثبت أنّ المتواترات و التجريبيات، و الحدسيات، ليست قضايا ضرورية بديهية كما انّها ليست مضمونة الحقّانيّة، و إن كانت قضايا قطعية بالقطع الأصولي، لكنّها ليست كذلك منطقيا، لقيامها على أساس حساب الاحتمال، بل هذا المطلب قلناه بعينه في المحسوسات أيضا، كما سوف يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.
و الخلاصة هي أنّ الكلام في تحقيق الصورة الّتي ذكروها يقع في مقامين و كان الكلام في المقام الأول حول تحقيق حال العقل الأول، حيث يقولون أنّه عبارة عن المعرفة الأولى الّتي تشكّل الأساس في المعرفة البشرية، و انّ هذه المعرفة تتكوّن من ستّ قضايا كلها أوليّة، و قد قبلنا اثنتين منها انّها كذلك، و هما: الأوليات، و الفطريات، و أمّا الأربعة الباقية منها، و هي التجريبيات، و الحدسيات، و المتواترة، و المحسوسات، فلم نقبل بأوّليتها، و قد ذكرنا انّها قائمة على أساس قاعدة، و هي «انّ الصدفة و الاتفاق لا يتكرر»، و هذه القاعدة بنفسها قائمة على حساب الاحتمالات.