بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٣٩ - ١- المقام الأول في العقل الأول
و نفس هذا الكلام الّذي قالوه في التجريبيات، قالوه أيضا في الحدسيات، فذكروا انّ نور القمر مستمد من ضوء الشّمس، لأنّ ضوءه دائما يتشكل بشكل يناسب مع نسبة مكان الشّمس إليه، فإن لم يكن ضوؤه مستمد منها، فهذه صدفة، و القضية العقلية الأولية تقول بأنّ الصدفة و الاتفاق لا يتكرر، إذن يتبرهن أنّ ضوءه مستمد من ضوء الشّمس، إذن فضوؤها علّة لضوئه، فتسري إلى دائمية ضوئه.
و كذلك قالوا في المتواترات: فإنّ التواتر على ما عرفوه، عبارة عن اجتماع عدد من النّاس و توافقهم على الإخبار عن قضية يكونون بنحو من الكثرة بحيث يمتنع تواطؤهم على الكذب، و امتناع تواطؤهم، باعتبار أنّه لو كان كل واحد منهم يكذب لكان صدفة، و هي لا تتكرر و ليست دائمية، إذن فيثبت صدقهم.
فالمتواترات، و الحدسيات، و التجريبيات، أقاموها على أساس هذه القضية العقلية القبلية.
و قد ناقشنا هذا المطلب في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء، و أثبتنا بسبعة براهين، انّ هذه القضية العقلية الأولية، و هي كون «الاتفاق لا يكون دائميا، و انّ الصدفة لا تتكرر» أثبتنا انّها ليست قضية عقلية ثابتة قبل التجربة، كاستحالة اجتماع النقيضين، و إنّما هي قضية مبنية على الاستقراء و التجربة و حساب الاحتمالات، فمثلا: عند ما نعطي مريضا قرصا من الأسبرين فيشفى، نقول: يحتمل أن يكون سبب شفائه ذلك القرص، و لكن يبقى احتمال آخر و هو أن يكون سبب شفائه حادثة أخرى اقترنت مع الأسبرين صدفة، لكن إذا أعطي الأسبرين لشخص آخر مريضا بنفس المرض و شفي فاحتمال أن يكون سبب شفائه أمر آخر غير ذلك القرص لاحتمال أن تكون الصدفة قد تكررت في هذا الأمر الثاني احتمال ضعيف، و هو أضعف من الفرض الأول، و هكذا يضعف