بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٣٣ - ١- المقام الأول في العقل النظري
نتكلم عن استدلالات عقلية على قضايا تستلزم أمورا ثبت بطلانها، إذ أنّ مثل هذا لا إشكال في بطلانه، فإنّ ما يستلزم الباطل باطل.
كما انّ محل الكلام ليس من الحالة الثانية، فإنّا لا نتكلم في اعتقادات عقلية يزول البرهان العقلي فيها بظهور الخطأ في أمور أخرى، لأنّ البرهان هنا ليس النسبة، بل هو الوجدان العقلي، إذ هذا الوجدان بالمقدار الملحوظ منطقيا لا علاقة له بالوجدانات الأخرى.
نعم الحالة الثالثة داخلة في محل الكلام، فيقال: ما دمت قد أخطأت عشرة إخطاءات، إذن لا يبقى لي ثقة بهذا الوجدان، و حصول هذه الحالة النفسية الّتي تمنع من حصول الثقة باليقين العقلي أمر وجداني، فقد يحصل عند شخص أخطاء يقينية عدّة مرّات و معها لا يبقى له ثقة بوجدانه العقلي بعد ذلك، و هذا أمر معقول قد يتفق لإنسان، لكنّه قد لا يتفق لإنسان آخر، و ذلك لأنّ هذا أمر وجداني، و القضية فيه ليست مبنية على ترابط منطقي أو تلازم موضوعي بين هذه القضية و القضية الأخرى، بل هو مبني على أمور نفسية قد تحصل بموجبها القريحة النفسية الّتي توجب زوال الثقة بالوجدان العقلي، و قد لا تحصل بموجبها تلك القريحة الّتي توجب زوال الثقة به، فهي تختلف باختلاف الأشخاص، و على كلّ حال لا ملازمة بين هذه التفصيلات.
إذن فروح هذا المطلب، يرجع إلى التجربة، لأنّ هذه الحالة سببها سرعة التصديق و تكرار حالة «ما»، و هكذا.
و لا إشكال في أنّ العلماء الّذين استندوا إلى الأدلة العقلية وجدت عندهم قناعات كاملة بذلك، و على أساسه ترتبت هذه النتيجة بعد أن كانوا لا يرون حجيّة الظنون.
هذا كله إن كان المراد من اليقين الّذي لا يعطيه الدليل العقلي لكثرة الأخطاء، هو اليقين الأصولي.