بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٥٨ - المقام الثالث في حرمة الفعل المتجرى به شرعا
و هذا الاستدلال غير تام، حتّى لو فرض أنّ هذه الرّوايات تامة سندا و دلالة على استحقاق العقاب و لم يكن لها معارض من الرّوايات الدالة على نفي العقاب على النية و القصد ما لم ترتكب المعصية، فلو سلّم كل ذلك، فمع هذا الرّوايات المذكورة لا يمكن أن تكون دليلا على حرمة التجري شرعا، إذ بعد الفراغ عن صحة سندها و دلالتها على استحقاق العقاب فغاية ما تدلّ عليه هو، أنّ المتجري يستحقّ العقاب، و استحقاق العقاب لا يلازم الحرمة باعتبار ما ذكرنا سابقا من أنّ استحقاق العقاب ثابت بحكم العقل بقطع النظر عن جعل الحرمة للتجري، و هذا الثبوت باعتبار أنّ التجري هتك و ظلم للمولى، و انّ كشف في غير هذا المقام، كما لو ورد أنّ «شرب الخمر» يدخل النّار، فهذا يكشف عن الحرمة، لأنّه لولاها لا منشأ لدخول النّار، و هذا غير المقام، و عليه فهذا المسلك غير تام.
نعم هناك بحث في الرّوايات الواردة في ترتب العقاب على النية إثباتا أو نفيا أو تفصيلا، إلّا أنّه بحث، الدخول فيه يخرجنا عن الأصول.
و إن شئت قلت: إنّه قد يستدل على حرمة التجري بالرّوايات الدالة على عقاب المتجري بقصد المعصية أو الساعي إليها، و إن لم يتحقّق قصده خارجا، و لكن من المحتمل قويا أن يكون ظاهر ذلك التجري في الشبهة الموضوعية، بأن تكون أصل كبرى حرمة الفعل ثابتة، و لكن المكلّف يقصد تحقيق صغراها خارجا فلم يتحقّق قصده، و ذلك كالنبوي- إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنّة، فالقاتل و المقتول كلاهما في النّار، قيل هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، لأنّه أراد قتل صاحبه [١]- حيث يدلّ على استحقاق العقاب لأنّه قصد المعصية.
[١] وسائل الحر العاملي: ج ١١، باب ٦٧، ص ١١٣.