بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨٥ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
أمّا المسلك الأول: و نسميه بالمسلك العقلي الواقعي.
و حاصله: هو أنّ العقل يدرك الحسن و القبح على نحو الكشف و المرآتية، و يرى أنّ هناك للحسن و القبح واقع موضوعي مستقل عن إدراكه لهما، و إدراكه لهما ليس نسبته إليهما إلّا نسبة الكاشف إلى المنكشف، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّهما أمران واقعيان موضوعيان، بمعنى أنّ لهما وجود في الخارج على حدّ وجود البياض و الحركة، بل هما واقعيان فقط، و لكنّهما ليسا من الأمور الموجودة في الخارج، فإنّ الأمور الواقعية أوسع من لوح الوجود، فإنّ لوح الوجود مختص بخصوص الجواهر و الأعراض المقولة، و أمّا لوح الواقع فهو أوسع منه.
فهناك أمور واقعة بالوجود، و هي الجواهر و الأعراض المقولية، فالبياض مثلا، إنّما يكون أمرا واقعيا إذا وجد في الخارج، و كذا الحرارة و الحركة.
و هناك أمور خارجية واقعية بنفسها لا بوجودها، و بهذا كانت تنتسب إلى لوح أوسع من لوح الوجود نسميه بلوح الواقع، و من هذا القبيل الملازمات الذاتية بين الأشياء، فالملازمة بين العلّة و المعلول، و استحالة اجتماع النقيضين، و نحوها، فهذه أمور واقعية، و لكنّها ليس لها وجود في الخارج، فإنّ استحالة اجتماع النقيضين ليس له وجود في الخارج نشير إليه، و يستحيل أن يكون له وجود في الخارج كما سنوضحه، فهذه الأمور واقعية و خارجية بنفسها، و من هنا كان لوح الواقع أوسع من لوح الوجود، و حسن العدل، و قبح الظلم من هذا القبيل، فهما أمران واقعيان دون أن يكون لهما وجود في الخارج على حدّ وجود الحركة.
و هذا ما نريده من قولنا. «الحسن و القبح» أمران عقليان واقعيان، لأنّ لوح الواقع أوسع من لوح الوجود.