بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٣٧ - ١- المقام الأول في العقل الأول
كتاب الأسس المنطقية للاستقراء، و حيث انّ الخوض فيها تفصيلا يخرجنا عن غرض بحثنا فلا بدّ من ذكر شيء و لو إجمالا يتمثل في نظرية أخرى يقع مجملها في مقامين.
١- المقام الأول: في العقل الأول:
و خلاصته: هو أنّ منطق أرسطو يرى انّ القضايا الست و هي القضايا العقلية الأولية هي أساس المعرفة البشرية، و تكوّن المواد الرئيسية لكتاب البرهان، لأنّها مضمونة الحقّانيّة.
و نحن لا نسلم ذلك في كل هذه القضايا، بل إنّ ما نسلمه قسمين من هذه القضايا الست، و هما الأوليات، من قبيل «استحالة اجتماع النقيضين»، و الفطريات الّتي هي عبارة عن القضايا الّتي قياساتها معها من قبيل، «انّ الأربعة زوج لأنّها تنقسم إلى متساويين»، بينما لا نسلم كون القضايا الأربعة الأخرى من التجريبيات، و الحدسيات، و المتواترات، و المحسوسات، انّها قضايا أولية لا تعتمد على قضايا قبلية، و ذلك لأنّه لو أخذنا على سبيل المثال التجريبيات، نرى أنّ المنطق الأرسطي عند ما يجري تجارب عدّة على قطع عديدة من الحديد، و يرى أنّه يتمدد بالحرارة فالعقل يحكم حينئذ، بأنّ كل حديد يتمدد بالحرارة، فهذه قضية تجريبية خارجية، حيث جرّبنا مائة قطعة حديد فوجدناها تتمدد بالحرارة، و بعد ذلك لم نصدر الحكم على خصوص المتمدد بالحرارة، بل عمّمنا الحكم على كل حديد.
و حينئذ في بادئ النظر يخطر على بال الإنسان العرفي أنّ مدرك هذا الحكم هو هذه التجارب العديدة، و من هنا يقال: بأنّ النتيجة هنا أكبر من المقدّمات، لأنّ المقدّمات في الدليل محصورة بعدد معين، بينما النتيجة تشمل كل حديد في العالم، و الحال على عكس ذلك في الاستنباط و القياس من الشكل الأول، فإنّ النتيجة إمّا مساوية للمقدّمات