بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٦ - الجهة الثانية مبحث التجري
يشمل بروحه كل ما كان منجزا سواء كان قطعا، أو منجزا بمنجز عقلي كالاحتمال قبل الفحص، أو بمنجز شرعي كما عرفت.
و هناك من توهم انّ هذا البحث لا يشمل موارد المنجزات الشرعية- أي موارد الحكم الظّاهري، كما لو قامت الإمارة ثابت على حرمة مائع- بدعوى أنّه في هذه الموارد، المعصية محققة، فيخرج المقام عن التجري و يدخل في المعصية، لأنّ الحكم على طبق الإمارة ثابت على أيّ حال، سواء كانت الإمارة مطابقة للواقع، أو لم تكن كذلك، كما لو أخبر الثقة بوجوب السورة، و ترك المكلّف السورة، و لم تكن واجبة في الواقع، و لكن خالف خبر العادل.
و هذا التوهم باطل على جميع المباني في باب جعل الحجية في باب الإمارات و الأصول، لأنّ الحكم الظّاهري ليس له عقاب و امتثال مستقل في مقابل التكاليف الواقعية.
و قد شمّ سر ذلك في البحث السابق، حيث ذكرنا أنّ الأحكام الظّاهرية هي أحكام طريقيّة لا تنشأ من مصلحة في متعلقاتها هي، بل منشؤها من ملاكات الأحكام الواقعية، حيث بها يحفظ الملاك النفسي في الحكم الواقعي، فيكون جعلها للمحافظة على ملاكات الأحكام الواقعية، حيث يقال: بأنّ هذا الحكم الظّاهري الّذي روحه روح الطريقي قد جعل بلسان جعل الحكم التكليفي، كما كان في صدق العادل، أو بلسان جعل الحكم المماثل، أو بلسان جعل الطريقية و الكاشفية، أو بلسان جعل الحجيّة و المنجزيّة، فكل هذه الألسنة هي مجرد صياغات فنية في مقام الجعل لا تغيّر من حقيقة الحكم الظّاهري، فإنّ روح الحكم الظّاهري تبقى بنفسها روح حكم لا حيثيّة لها في قبال الحكم الواقعي و الواقع، بل هي روح طريق لا تختلف الحال فيه بين لسان و آخر من هذه الألسنة.