بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٥٢ - المقام الثالث في حرمة الفعل المتجرى به شرعا
و توضيحه هو، انّ غاية ما يقال لإثبات محذور عدم المحركيّة، هو أنّنا لا نتصور اختلافا في مراتب الظلم.
فلو سلّم ذلك أمكن تصوير عدم المحركيّة للحكم الجديد حينما يكون القبح معلولا للحكم أيضا، و ذلك، لأنّ الحكم الأول المفترض كاف في أن تكون مخالفته ظلما، و لا يتأكد ذلك بحكم جديد، لأنّنا لا نتصور اختلافا في مراتب الظلم، إذن، فلا محركيّة للحكم الجديد.
و هذا بخلاف ما لو كان القبح واقعا في سلسلة العلل، كقبح الغصب مثلا، حيث أنّ الظلم هنا ليس ظلما للمولى، بل هو ظلم لشخص آخر، فأثر الحكم هو أن تكون المخالفة ظلما للمولى، و الظلم الأول إذ كان كافيا لاستحقاق العقاب،- لما يقال مثلا: من أنّ ارتكاب القبيح موجب للذمّ، و ذمّ كل شخص بحسبه، و ذمّ المولى عقابه- فهذا لا يمنع عن تأثير حكم المولى في المحركيّة، و ذلك لأنّ الظلم الأول هو ظلم لغير المولى، بينما الظلم الثاني هو ظلم للمولى، فهما ظلمان لشخصين.
و معه فقد يدّعى انّ ما افترضناه من عدم قبول الظلم للاشتداد إنّما هو بشأن شخص واحد، أمّا لو كان العمل الواحد ظلما لشخصين، فلا شكّ أنّ ظلم شخصين أشدّ من ظلم شخص واحد.
و هذا البيان لو تمّ فإنّما يتمّ بلحاظ التفصيل بين القبح الّذي يكون معلولا للحكم، و القبح الّذي يكون راجعا إلى ظلم العباد، و لكن لا يتمّ بلحاظ القبح الّذي يقع في سلسلة العلل، و لكنّه يعتبر ظلما بشأن المولى، كما في السجود بعنوان الاستهزاء باللّه تعالى، أو كما في التشريع، و ذلك لأنّه- في هذا الفرض- سيكون كلا الظلمين أيضا راجعين إلى جهة واحدة و هي المولى، و معه لا يتصور فيه الاشتداد، فإن كان القبح الأول موجبا لارتداع العبد فهو، و إلّا فتحريم المولى له أيضا