بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٦٠ - ٣- المقام الثالث هو دعوى أن يكون القصور المدّعى في الدليل العقلي، من ناحية المنجزية و المعذرية بمعناها الأصولي
و حصول القطع، لكن بعد الاستدلال و حصول القطع فلا، لأنّه بعد حصول القطع، على أيّ شيء يعاقب؟ فهل يعاقب على مخالفة هذا النهي، أم أنّه يعاقب على مخالفة الواقع؟
فإن كان على مخالفة النهي، فهذا النهي طريقي و ليس نهيا حقيقيا نفسيا ليستحق عليه العقاب، و إن كان على مخالفة الواقع- أي ما قطع به- فهو الآن مضطر إلى تطبيقه على قطعه، و العمل به، لأنّ القاطع يرى بقطعه الواقع أمام عينه، صحيح بعد أن قطع يضطر إلى تطبيقه في الواقع، لكنّه من التطبيق بالاضطرار بسوء الاختيار، و هو يشبه دخول الأرض المغصوبة بسوء الاختيار، و لذا لو أدّى هذا الاضطرار للعمل بالقطع، إلى مخالفة حكم شرعي، فإنّه يعاقب عليه، لأنّه بسوء اختياره.
و من هنا يعلم، انّ النهي باللّسان الثاني معقول، بمعنى النهي عن الدخول في هذا الباب و التسبّب بالأسباب العقلية إلى الأحكام الشرعية، و لكن هذا بخلاف النهي باللّسان الأول، لما بيّناه في بحث حجيّة القطع، من أنّه لا يعقل جعل حكم في حق القاطع على خلاف قطعه، إذن: فالنهي له لسانان، فالنهي باللّسان الأول مستحيل ثبوتا، بخلاف النهي باللّسان الثاني، حيث أنّه معقول ثبوتا، و لكنّه لم يدلّ عليه دليل إثباتا.
نعم قد توهم و ادّعي دلالة روايات عليه إثباتا، و أهم ما يتوهم دلالته عليه هو روايات ناهية عن العمل بالرأي و ناهية عن الاستقلال عن الأئمّة (عليهم السّلام)، حيث أنّ من راجعها و لاحظ ظروف صدورها، لا يشكّ في أنّ المقصود منها و من الإفتاء بالرأي، هو النهي عن العمل بالقياس، و الاستحسان، و المصالح المرسلة و نحوها من الظنون ممّا كان معروفا في وقت صدورها، كما أنّ المقصود بها أولئك العاملين بتلك الأمور من بقية فقهاء المسلمين ممّن كانوا يجعلون أنفسهم في مقابل الأئمّة