بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٨ - ٢- المقام الثاني في العقل العملي
عقلا، لكن إذا حكم الشارع بحرمتها، صارت خيانة للشارع و معصية له، فوجد فيها هنا ملاك آخر للقبح، و بهذا يتأكد المحرك و الزاجر العقلي، لتعدّد الحيثيّات الموجبة لاشتداد الحسن و القبح، إذن فهذه الدعوى إنّما تردّ إذا لم يكن الحسن و القبح قابلا للاشتداد و التأكيد.
و الصحيح هو أن يقال: انّ الحسن و القبح بثبوتهما الواقعيين و بما يستتبعان واقعا- بقطع النظر عن جعل جاعل- من استحقاق المدح و الثواب و الذمّ و العقاب، لهما محركيّة ذاتية و زاجرية ذاتية أيضا بمرتبة من المراتب، و حينئذ يقال: انّ الشارع بعد التفاته للحسن و القبح، و إدراكه لما ندركه من حسن هذا، و قبح ذاك، تارة يكون غرضه- في مقام حفظ هذا الحسن و ترك ذاك القبيح- بنفس مرتبة و حافظية تلك المحركيّة الذاتية للحسن و القبح العقليين الواقعيين، ففي مثله، لا مجال لإعمال المولى مولويته في جعل حكم جديد، غايته أنّه يرشد إلى الحسن و القبح العقليين الموجودين في المقام، و تارة أخرى تكون درجة اهتمام المولى- في حفظ هذا المرام من عدم ارتكاب ذلك القبيح أو فعل ذلك الحسن- أشدّ و أقوى من الحافظية الذاتية الضيقة للحسن و القبح لو خلّي و أنفسهما، ففي مثله يتصدّى المولى بنفسه لإصدار الأمر و النهي لأجل تأكيد تلك الحافظية، و حينئذ، يحصل حكم شرعي مولوي على طبق الحسن و القبح.
و تشخيص مرتبة اهتمام المولى في المقام بالحسن و القبح، تارة يكون بدليل شرعي، و أخرى يكون راجعا إلى مناسبات و أذواق عقلائية، لا يمكن التعويل عليها، ما لم تبلغ إلى درجة الجزم و اليقين الأصولي، و بناء عليه: يصحّ القول انّه لا برهان- مبدئيا- على ثبوت الملازمة بين الحسن و القبح العقليين، و بين حكم الشارع، بمعنى أنّه لا دليل على أنّه كلّما حكم به العقل حكم به الشرع.