بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٧ - ٢- المقام الثاني في العقل العملي
الحسن و القبح، حيث يرجعهما إلى ما يشبه الأحكام العقلائية، و نحن لو تنزلنا و سلّمنا ذلك المبنى، فإنّه أيضا لا يلزم من صدور هذا الحكم من العقلاء بما هم عقلاء، أن يكون صادرا من الشارع أيضا، بدعوى أنّه أحد العقلاء، و ذلك لأنّ صدوره منهم، إنّما كان رعاية لمصالحهم و حفاظا على نظامهم، فلو فرضنا أنّ عاقلا لا يعيش في ظل هذا النظام كالشارع الحكيم مثلا، فليس من الضروري عقلا حينئذ أن يشرّع نفس تشريعهم و يحكم بحكمهم.
إذن فالصحيح في المقام، انّ الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع في الحسن و القبح غير ثابتة.
و الخلاصة: هي انّ استكشاف الحكم الشرعي من العقل يحتاج إلى حكم عقلي قائل بالتلازم، أو التضمن، و قد عرفت وجه الخلل في ذلك.
و في مقابل دعوى التلازم بين حكم العقل و حكم الشرع، يمكن إبراز دعوى أخرى على عكسها، مفادها: انّه لا يعقل جعل الحكم الشرعي بملاك الحسن و القبح العقليّين، لأنّ جعل الحكم الشرعي إنّما هو لأجل التحريك و الزجر بتوسيط حكم العقل بحسن الطاعة و قبح المعصية، و المفروض في المقام انّ الحسن و القبح حاصلان في المرتبة السابقة على جعل الحكم الشرعي، فالكذب قبيح، مع قطع النظر عن تحريمه، إذن يكون جعل الحكم الشرعي من باب تحصيل الحاصل، و تحصيل الحاصل محال، و عليه: فلا مجال لإعمال المولوية في المقام.
و هذه الدعوى باطلة أيضا، لما ذكرناه في بحث التجري، من أنّ إعمال المولى لمولويته في موارد الحسن و القبح، يوجب إيجاد ملاك آخر للحسن و القبح وراء المحركيّة و الزجرية الّتي كان مفروغا عنها في المرتبة السابقة، فمثلا: الخيانة للأخ، أو الوطن، قبيحة في نفسها