بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٢٥ - المقام الثاني هو في تصوير كون القصور المدّعى في الدليل العقلي من ناحية عدم صلاحيته للكشف في مقام إثبات حقيقة «ما»
فالأخباريون، و بالخصوص المحدّث الأسترآبادي (قده) كذلك فعلوا.
و هذه الملاحظة رغم حسنها و معقوليتها بحدّ ذاتها، إلّا أنّها على فرض صحة صدورها عن البروجردي (قده)، فهي غير تامة، فإنّه قد أشرنا في محله من كتابنا «المعالم الجديدة» بأنّ هذا الاتجاه الممثل للنزعة الحسية التجريبية جاء بعد اتجاه الإخباريين و الأسترآبادي (قده) بمائة سنة تقريبا، فإنّ الأسترآبادي (قده) عاش في أوائل القرن الحادي عشر، بينما هذه المدرسة الحسية الأوروبية عاشت في أواخر القرن الثاني عشر، و من هنا يحتمل أن تكون أفكار الأسترآبادي (قده) و مدرسته هي الّتي تسربت إلى أوروبا و المدرسة الحسيّة فيها، و كل هذا حكم على فرض أن نتعامل مع مدّعيات الأسترآبادي (قده) على أساس أنّ مدرسته هذه تمثل نزعة حسيّة.
إلّا أنّ هذا الافتراض غير واضح من كلماته، و إن كان يقول بأنّ الحس معتبر، و انّ العلوم العقلية الّتي تكون موادها حسيّة هي الثانية معتبرة، إلّا أنّه مع هذا ليس واضحا أنّ غرضه نفس غرض المدرسة الحسيّة الأوروبية، بل الظاهر أنّ غرضهم كان حصر المعرفة بالدليل الشرعي اللفظي و إلغاء حجيّة الدليل العقلي، سواء كان عقليا قبليا، أي غير مستمد من التجربة و الاستقراء، أو عقليا بعديا، أي مستمدا من التجربة و الاستقراء، و هذا يكفي بمدرسة الإخباريين بعدا عن المدرسة الحسيّة التجريبيّة الّتي ألغت العقل القبلي و حصرت المعرفة بالدليل الحسي الاستقرائي، بينما الأسترآبادي ألغى القبلي و البعدي و اعترف بالشرعي على أساس أنّه محسوس، و هذا اعتراف منه بالحس بالجملة لا بالحس الّذي تتبناه المدرسة الحسيّة الأوروبية.
و على أيّ حال فالكلام في مدّعى الإخباريين المذكور يقع في مقامين.