بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٢٦ - ١- المقام الأول في العقل النظري
١- المقام الأول: في العقل النظري:
و قد عرفت انّ جوهر الكلام من قبل المشكّكين في كاشفية الدليل العقلي، مردّه إلى دعوى كثرة الأخطاء الواقعة في العقل النظري، و هذه الكثرة في الخطأ تمنع من حصول اليقين منه، و حينئذ لا يكون مشمولا لدليل الحجيّة، و حيث أنّ هذا الكلام لا يخلو من غموض، فلا بدّ من مقام حلّه و تحقيقه من الكلام حول هذا اليقين فيقال: انّ اليقين له معنيان.
١- المعنى الأول: هو أن يراد باليقين اليقين بالمعنى الأصولي، و هو الجزم و الانكشاف التام الّذي لا يستبطن أيّ تردّد و شكّ و هذا اليقين هو الّذي وقع موضوعا للحجيّة و المنجزية و المعذرية.
٢- المعنى الثاني: هو أن يراد به اليقين بالمعنى المنطقي المأخوذ من كتاب البرهان و الصناعات الخمس، و هو غير الأول، فإنّ المناطقة البرهانيين لا يسمون كل جزم يقينا، و إلّا فالصناعات الأخرى غير صناعة البرهان قد تؤدّي إلى الجزم و لكنّه ليس يقينا، بل اليقين هو الجزم المضمون الحقانية الّذي يكون مطابقا للواقع بالضرورة، فتكون حقانيته و مطابقيته للواقع هي المقومة ليقينيته، و مقصود المحدّثين في المقام عند ما يقولون إنّ الدليل العقلي لا يورث اليقين، تارة يكون إنكار اليقين الأصولي في الأدلة العقلية، و أخرى، يكون إنكار اليقين المنطقي، فأيّ اليقينين يريدون، الأصولي أو المنطقي؟ فإن كان مراد إنكاركم هو اليقين الأصولي، فحينئذ إن تمّت صغراه تمّت كبراه، بمعنى أنّه إن تمّ أنّ اليقين بالمعنى الأصولي غير موجود، بل الشك هو الغالب فيه و حينئذ، مثل هذا لا ينتج جزما، و معه يتبين أنّه لا موضوع للحجيّة في الأدلة العقلية، لأنّ الحجيّة بمعنى المنجزية و المعذرية موضوعها الجزم و اليقين الأصولي الّذي لا يحتمل فيه الخلاف، و مع عدم وجوده و لا حجّة أصلا.