بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٧ - ٢- المقام الثاني في العقل الثاني
الوجدانية إدراك أولي، و معرفته بمحسوساته الوجدانية معرفة أولية، لكن مع هذا فإنّ هذه المعرفة ليست دائما يقينية، بل قد تكون غير ذلك.
فمثلا: إذا اتفق لإنسان أن يسمع صوتا، فمعرفته بهذا الصوت وجدانه، لأنّ سماعه وجداني، فلو ابتعد هذا الإنسان عن مصدر هذا الصوت قليلا فإنّه يبقى يسمعه لكنّه يبقى يبتعد و يخفّ سماعه للصوت و هكذا كلّما ابتعد، حتّى يصل إلى درجة يشكّ في أنّه هل يسمع الصوت ذاته أم لا؟، إذن فهذا شكّ في قضية أولية لأنّها قضية غير مستنتجة و هذا دليل على إمكان وقوع الخطأ و الشك في الوجدانيات الأوليات فكيف بقضايا أولية غير وجدانية.
و مثال آخر: و هو أنّهم بقوا لفترة طويلة من الزمن قديما يطبقون قانون «انّ الكل أعظم من الجزء» على الكميات المتناهية و غير المتناهية، و من هنا استدلّ على استحالة التسلسل ببرهان التطبيق، أي تطبيق العلل على المعلولات، كأن يقال: إنّه إن تساويا لزم تساوي الجزء مع الكل، لأنّ سلسلة المعلولات هي سلسلة العلل بإضافة واحد، و الكل لا بدّ و أن يكون أعظم من الجزء، و إن لم يتساويا كان معناه تناهي أحدهما على الأقل، و قد كان هذا البرهان على استحالة التسلسل مبنيا على بديهية «انّ الكل أكبر من الجزء» حتّى جاءت الرياضيات الحديثة فأنكرت بداهة هذه القضية في الكميات اللّامتناهية، و جعلتها مختصّة بالكميات المتناهية، إذ في غيرها ينعدم معنى الكل و الجزء، مع أنّ قضية «انّ الكل أعظم من الجزء» قضية أولية حكم بها كثير من العقول، كما حكم ببطلانها كثير من العقول أيضا، و عليه: فعلى فرض كونها خطأ، فهو في إدراك كونها أولية، و من هنا امتازت الرياضيات البحتة و المنطق عن العلوم النظرية، و كان الخطأ فيهما أقل، باعتبار أنّ المصادرات و الأصول الموضوعية في المنطق و الرياضيات البحتة معلوم الحقّانية.