بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٣٢ - المقام الثالث في حرمة الفعل المتجرى به شرعا
الأول هو الإرادة، و هو واضح، و الثاني هو الفعل، و هو واضح أيضا، و هناك شيء ثالث بين الإرادة و الفعل، و هو ما يسميه بالاختيار، و هو فعل نفساني يأتي بعد الإرادة و قبل الفعل، و لهذا يقال: «أراد، فاختار، ففعل»، و هذا الفعل النفساني حقيقته بتحرك النّفس على طبق الإرادة الّذي ينتج قيامها بالفعل خارجا، و هو (قده) يرى أنّ الإرادة مهما كانت قوية لا تكون علّة حتميّة لوقوع الفعل في الخارج كما يتصور الفلاسفة، بل بعد تماميتها فالإنسان يبقى له الاختيار و عدمه، و معنى الاختيار هو أن يحرك نفسه نحو المراد، و عليه: فعندنا إرادة، و اختيار، و فعل خارجي، و الإرادة تكون متعلقة بما يلائم قوّة من قوى الإنسان، فهو يشتهي الماء لأنّه عطشان، فالإرادة تتعلق بالعناوين الواقعية الّتي هي تتطابق،- حينما يتصورها الإنسان- مع شهوة من شهواته، فالإرادة تتعلق بشرب المسكر، و أمّا الاختيار فهو تحرك نفسي نحو المراد خارجا، و هذا الاختيار يكون محركا نحو ما يراه الإنسان مصداقا لشرب الخمر، إذ من الواضح أنّ الإنسان بعد اشتياقه للمسكر الواقعي، يصير في مقام التحرك، فالنّفس تحمله إلى ما يراه هو خمرا، و لهذا قد يفرض أنّ الخمر أمامه لكن لا يتوجه نحوه، لأنّه لا يراه خمرا، فلو أراد شرب الخمر و تخيّل انّ هذا الماء خمرا فسوف تحمله نفسه عليه، لأنّه يعتقده مصداقا لمراده، سواء كان مصداقا للمراد في الواقع أم لا.
و بعد هذه المقدّمة، حينئذ نأتي إلى بيان الميرزا (قده)، و هو مركب من أمرين:
١- الأمر الأول: هو أنّ التكليف حيث أنّه من أجل تحريك اختيار المكلّف، لهذا فهو لا يتعلق إلّا بالأمور الاختيارية، إذن فمتعلقه نفس الاختيار، أو لا أقل، انّ متعلقه هو بما يتعلق به الاختيار، لأنّ التكليف ميزانه و ملاكه هو، تحريك اختيار المكلّف سلبا أو إيجابا، فلا