بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٦٣ - نبذة إجمالية عن كيفية التوفيق بين الأحكام الواقعية و الظّاهريّة، و كيفيّة رفع التضاد بينهما بلحاظ عالم المبادئ
العبد يميز بينهما، فلا يكون هذا معذرا بالنسبة إليه، إذن فالمولى إذا جعل ما يشبه البراءة على القاطع، فكل قاطع يمكنه أن يعتذر عن إنشاء الحكم من قبل المولى عند ضيق الخناق.
و الخلاصة هي، أنّه لا يمكن جعل حكم على خلاف الحكم المقطوع به، كما يجعل في موارد الشك و الظن من الأحكام الظّاهرية.
أمّا إذا كان القطع بحكم ترخيصي و أراد المولى جعل حكم ظاهري إلزامي نظير الاحتياط في الشّبهات، فهذا الحكم، إن فرض نفسيا، لزم التضاد كما تقدّم توضيحه في البرهان الأول، و إن فرض طريقيا- و الحكم الطريقي عندنا هو الحكم الناشئ بملاك التزاحم بين الأحكام الترخيصية و الإلزامية في مرحلة حفظ الملاك الأهم، و لذا يجعل المولى حكما طريقيا يبرز به اهتمامه بما هو المهم من تلك الملاكات المتزاحمة، و من هنا قلنا: إنّ تلك الأحكام الطريقية هي أحكام ناشئة من مبادئ و لكن لا في نفسها، بل في متعلقات ملاكات تلك الأحكام الواقعية النفسية- فلا يكون تضاد بينهما بلحاظ المبادئ، لأنّ مبادئ الحكم الظاهري هي عين مبادئ الحكم الواقعي النفسي، لا ملاكات و مبادئ أخرى ليقع التضاد بينها، و بمثل هذا جمعنا بين الأحكام الواقعية و الظاهرية، و بمثل هذا صوّرنا وجوب الاحتياط و البراءة و أمثالها.
إلّا انّ هذا البيان لا يعقل جعله في محل الكلام، لأنّ الحكم الطريقي هنا غير منجز في نفسه، و إنّما هو منجز لغيره، أي أنّه ينجز الحكم الواقعي و ملاكه النفسي كما تقدّم، و المفروض أنّ المكلّف يقطع بعدم الملاك الإلزامي الواقعي، حيث أنّه يقطع بالترخيص به، و معه لا يتنجز الحكم الإلزامي الواقعي بهذا الحكم الطريقي، و هذا هو فرق القاطع عن الظان و الشاك كما عرفت.