بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٤ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
يلقّن الجزم بذلك بسبب التلقين و الزمن، و ليس هذا ناشئا من حاق العقل، و لهذا قال ابن سينا مقالته المتقدّمة.
و هذا البيان حينما يصدر من أولئك المناطقة، فمن السهل الرد عليهم، باعتبار أنّ هؤلاء أمثال ابن سينا، هم يسلمون بوجود إدراك تصديقي جازم لقضايا الحسن و القبح، لكنّهم ينفون ضمان الحقّانية.
و حينئذ نقول لهم: بأنّه لو كان احتمال نشوء هذا الإدراك التصديقي الجازم بسبب مجرد التلقين و التأديب جدّيا في نفوسكم، إذن، لزال هذا التصديق من نفوسكم، إذ كيف يمكن أن تكونوا بالفعل مصدّقين بقضايا الحسن و القبح تصديقا جازما، و مع هذا تصنّفون الحسن و القبح من صنف القضايا الجزميّة المستعملة في صناعة الجدل، و مع هذا تحتملون أن يكون هذا الإدراك مستندا للتلقين، إذ أنّ احتمال هذا، مع الاعتراف بفعليّة التصديق لا يجتمعان، و حينئذ، فإمّا أن تعترفوا بأنّ الوجدان قاض بأنّ هذا التصديق لم يكن متأثرا بالتلقين و التأديب، و بهذا تتعاملوا مع هذه القضية بوصفها قضية مدركة بحاق القوّة العاقلة، و إمّا أن تكونوا كالمناطقة المحدّثين الّذين رفعوا يدهم عن التصديق الجازم بهذه القضية و قالوا: بأنّ الحسن و القبح يتأثران بأوضاع النّاس و عاداتهم، كما سوف يأتي من أدلتهم، إذن لا بدّ من أحد هذين الموقفين، و عليه فهذا البيان غير تام.
٢- البيان الثاني: هو أن يقال: إنّ قضيّة حسن العدل، و قبح الظلم ليستا من القضايا التجريبيّة، و الحدسيّة، و الحسيّة، و المتواترات، و الفطريّات، و الأوليّات، لأنّ الأوليات عبارة عن القضايا الّتي يكون تصور الموضوع و تصور المحمول فيها كافيا لإدراك النسبة بينهما من قبيل، «الكل أكبر من الجزء»، و لأنّ الفطريات عبارة عن قضايا قياساتها معها، أي أنّ برهان ثبوت المحمول للموضوع مستبطن في ذلك الموضوع كما