بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٧ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
على ضوء ما تقدّم في مسلكنا، قبح الفعل المتجرّى به بناء على أنّ الحسن و القبح أمرين واقعيّين يدركهما العقل، و لا يختلف الحال فيه بين المسلكين، أي بين أن تكون قضايا العقل العملي و إدراكاته مضمونة الحقّانيّة أم لا، فإنّ ضمان الحقّانيّة و عدمه لا يؤثر على واقع هذا الإدراك و على كون الحسن و القبح من القضايا الواقعية ما دام هي قضايا مصدقة.
نعم لو قيل بالفرضيّة الأولى في تفسير مسلك الفلاسفة، من أنّ الحسن و القبح حكمين و قضيتين مجعولتين من قبل العقلاء، فالأمر حينئذ يحتاج إلى استئناف بحث جديد في مقدار ما هو المجعول، و في أنّه مجعول مخصوص بموارد المعصية، بحيث لا تعمّ التجري، و في أنّ العقلاء هل يحكمون بقبح خصوص المعصية أو بالجامع بين المعصية و التجرى لأنّ الجعل بيد الجاعل توسيعا و تضييقا؟.
هذا تمام الكلام في طريقة إثبات قبح التجرّي عقلا، و سوف يأتي بيان مقدار ما هو المجعول من قبل العقلاء عند الكلام عن حرمة التجرّي شرعا،- بناء على كون الحسن و القبح من الأحكام المجعولة من قبل العقلاء-.
ثمّ إنّ الأصحاب حاولوا إقامة براهين على عدم قبح الفعل المتجرّى به، نستعرض أهمّها مع مناقشتها و دفعها.
البرهان الأول: هو ما أفاده المحقّق الخراساني (قده) [١] في حاشيته على الرّسائل، حيث ذكر، انّ الفعل المتجرّى به، قد يقال:
باستحالة اتصافه بالقبح، لأنّ الحسن و القبح إنّما يتصف بهما الفعل بتوسط العناوين الاختيارية الّتي تكون مصبّا لإرادة الإنسان و شوقه المؤكد المستتبع لتحريك العضلات، أمّا العناوين غير الاختيارية الّتي تنطبق على
[١] درر الفوائد في شرح الفرائد: الخراساني، ص ١٣.