بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٦ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
أوسط فيها بين الموضوع و المحمول الّذي هو معنى كون القضية أولية، لكن مع هذا فإنّ بعض النّاس و النّفوس العاقلة في بعض مراتبها لا تدرك ثبوت هذا المحمول للموضوع، هذا مضافا إلى انّ إدراك هذه القضايا، و هي قضايا الحسن و القبح حيث أنّه يمسّ في كثير من الأحيان جوانب عاطفية و شخصية للإنسان المدرك من مصالح و عواطف، و لهذا قد يفترض أنّ قوّته العاقلة تدرك هذا، لكن تغلبه العاطفة و جوانبه الأخرى فتغطي عليه كثيرا من المدركات و تجعلها في معرض التشكيك فيها و التكذيب لها، و هذا هو فرق قضايا العقل العملي عن قضايا العقل النظري البحتة كالكل أكبر من الجزء، حيث لا يكون الاختلاف فيها اختلافا موضوعيا، لأنّها غالبا لا تماس فيها بينها و بين المصالح و العواطف، فلا تتأثر بها، بخلاف قضايا الحسن و القبح، و عليه فالكبرى، و هي أنّ مجرد وقوع الخلاف في ثبوت محمول لموضوع، لا يعني انّ القضية ليست أولية، لأنّ هذا الاختلاف قد ينشأ من قصور المقتضي و قد ينشأ من وجود المائع.
و أمّا بطلانه صغرويا، فهو أن يقال: بأنّنا ندّعي أنّه لا خلاف بين العقلاء في كبريات و مقتضيات العقل العملي كالحسن و القبح، و انّ «الكل أكبر من الجزء»، و إنّما الخلاف الّذي يتراءى خارجا، إنّما هو خلاف في صغرياتها أو في حالات التزاحم بين مقتضيات العقل العملي، و إلّا فأصل مقتضياته بدون فرض التزاحم ليس فيها خلاف، إذ كون الإحسان للفقير شيئا حسنا لا يمكن أن ينكره إنسان عمليا، و كون الإسراف شيء قبيح في نفسه أمر لا يمكن إنكاره من قبل إنسان، و إنّما الخلاف هو في موارد التزاحم بين الإحسان و الإسراف، بين قيمتين أخلاقيتين و إعمال التزاحم بينهما.
و بهذا يثبت أنّ قضية الحسن و القبح قضية ضرورية، كما يثبت أيضا