بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٢ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
و المتواترات، و التجريبيّات، و الحدسيّات، و هي الّتي تشكّل مواد الأقيسة في صناعة البرهان حيث تنتج تصديقا مضمون الحقّانيّة، و إنّما قضية الحسن و القبح من غير هذا القبيل، حيث أنّ التصديق الجازم بها يحصل نتيجة التأديب و التربية الاجتماعية العقلائية.
و تقريب عدم كون قضايا الحسن و القبح من القضايا الأولية المضمونة الحقّانيّة مبني على تشخيص الميزان في كون القضية أولية مضمونة الحقّانيّة أم لا، لكي نميّز على أساسه بين القضية الضرورية، و القضية المشهورة، و هذا الميزان يمكن بيانه بإحدى صيغتين.
أ- الصيغة الأولى: هي أن يقال: إنّ الميزان الكلّي في القضية الضرورية مرتبط بجانب المدرك في القضية، لا الإدراك نفسه، فمتى كان ثبوت الحكم فيها للموضوع بالضرورة «كالأربعة زوج»، «أو تنقسم إلى متساوين»، فهي قضية مضمونة الحقّانيّة، و من المستحيل عدم انقسامها كذلك، إذ المحمول ثابت فيها للموضوع بالضرورة.
نعم: إذا قلنا: «الإنسان موجود» فهذه قضية ليست ضرورية، لأنّ الوجود للإنسان بالإمكان، و ليس من المستحيل أن لا يكون موجودا، نعم لو حوّلنا هذه القضية إلى قضية «الإنسان ممكن الوجود»، لأصبحت ضرورية، لأنّ الإمكان ثابت للإنسان بالضرورة.
و الحاصل هو انّ الميزان يرجع إلى جانب المدرك، أي تكون جهة القضية ضرورية المدرك لا الإدراك نفسه، فإنّه إذا كان ثبوت الحكم فيها للموضوع بالضرورة، كما في الأربعة زوج، تكون قضية أوليّة ضرورية مضمونة الحقّانيّة.
و هذا الميزان- بقطع النظر عن عدم انطباقه على أكثر ما اعتبروه قضايا ضرورية، لو أردنا أن نحاسب مسألتنا على أساسه- هو منطبق على قضايا العقل العملي، إذ أنّنا ندّعي انّ ثبوت الحسن للعدل، و القبح