المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٤ - ٦- المناط في إثبات حجية الأمارة
.....
فيلزم اجتماع المصلحتين، سواء فسرنا الحجيّة بجعل الحكم الظاهري المماثل أم بجعل الطريقية، و إن لم تكن ناشئة من ذلك- بأن فرض مثلا نشوؤها عن مصلحة في نفس الجعل أي: في نفس جعل الحجيّة للأمارة لا من مصلحة في صلاة الجمعة- فلا مشكلة حتى و إن فسرنا الحجيّة بجعل الحكم المماثل؛ إذ لا يلزم اجتماع مصلحتين في صلاة الجمعة بل تكون إحداهما ثابتة فيها و الأخرى في جعل الحجيّة للأمارة.
الجواب الثاني: و هو الجواب المنسوب إلى السيد الشهيد الصدر (قدس سره): و حاصله: أنا نعلم أن الشارع المقدس شرّع شكلين من الأحكام الواقعيّة: المحرمات و المباحات، فحكم على الخمر بالحرمة و على الخل بالحليّة. و المكلّف تارة: يحصل له العلم بأن هذا السائل خمر فيحكم بحرمته، و أخرى:
يحصل له العلم بخليته فيحكم باباحته، و لكن ما هو الموقف حالة الشك؟ فإذا واجه المكلّف سائلا يشك في أنه خل أو خمر فالشارع لا بد أن يحدد موقفه تجاه حالة الشك هذه، و لأجل أن يتجلى المطلب أكثر افرض نفسك المشرع و افرض أنك حكمت بحرمة الخمر و حلية الخل، و سألك عبدك عن حكم السائل المشكوك فجوابك لا يخلو من أحد شقين:
أ- أن تقول له: ضع السائل المشكوك أمامي لأشخّص أنه خمر أو خل، أو يفرض أن الله سبحانه يلهم العبد بالواقع، و هذا الطريق ليس عمليا و ميسرا فلا بدّ من التفتيش عن طريق آخر.
ب- أن تجرى عملية موازنة بين مصلحة الخل و مفسدة الخمر، فإن رأيت المفسدة أقوى أصدرت قرارا عاما بلزوم الاجتناب عن كل مشكوك تحفّظا منك على التجنب عن المفسدة التي هي أهم؛ و إن لزم من ذلك التضحية بمصلحة الخل فيما لو كان المشكوك خلا واقعا، و إن فرض العكس بأن أهميّة مصلحة الخل أصدرت قرارا عاما باباحة كل مشكوك تحفّظا على مصلحة الخل؛ و إن لزم من ذلك الوقوع في المفسدة فيما لو كان المشكوك خمرا واقعا.
و ذاك القانون بحرمة كل مشكوك الذي هو عبارة أخرى عن جعل أصالة الاحتياط، أو ذاك القانون بإباحة كل مشكوك الذي هو عبارة أخرى عن جعل أصل البراءة هو ما يصطلح عليه بالحكم الظاهري، فإذا سألنا عن حقيقة الحكم الظاهري كان الجواب أنه الثابت حالة الشك الناشئ بسبب تقديم الملاك الأهم.
و لو فتّشنا عن ملاك الحكم الظاهري بإباحة المشكوك أو حرمته وجدنا أن ملاكه نفس ملاك الحكم الواقعي بمعنى: أن مفسدة الخمر- التي هي الملاك لتشريع الحرمة الواقعية- هي بنفسها الموجب لتشريع الحكم الظاهري بحرمة كل مشكوك، فهي على هذا سبب لنشوء حكمين، فإنها سبب للحكم الواقعي بحرمة الخمر، و سبب الحكم الظاهري بحرمة كل مشكوك. و من هنا اتضح توجيه المقالة السابقة و هي إن ملاك الحكم الظاهري لا يغاير ملاك الحكم الواقعي بل هو هو.
و بهذا البيان يندفع الإشكال الأول لابن قبة حيث كان يقول: إن تشريع حجيّة الأمارة و الأصل يلزم منه اجتماع حكمين: الواقعي و الظاهري، و وجه الاندفاع: إن الاجتماع المذكور لا محذور فيه، فإن الحكمين بما هما اعتباران لا تنافي بينهما لسهولة مئونة الاعتبار، و إن لاحظنا مبادئ الحكمين فلا اجتماع لها، حيث أن الحكم الظاهري ليس له مبادئ مستقلة ليلزم اجتماع المبدأين المتماثلين أو