المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٣٠ - أصل البراءة في لسان العقل و الإجماع (١)
.....
فيما يمكن السؤال و إزالة الشبهة، لقوله (عليه السلام): «حتى تسألوا و تعلموا»، و محل النزاع فيما لا يمكن إزالة الشبهة و بقاؤها حتى بعد الفحص التام، و رابعا: عدم العمل بها في موردها، فتسقط عن الحجّية و الاعتبار.
و أما عن الثانية- أي الموثقة-: فلكون قوله (عليه السلام): «و تأخذ بالحائطة لدينك» محمولا على التقية، لكون دخول الوقت للصلاة، و الإفطار بذهاب الحمرة المشرقية إلى قمّة الرأس خلاف مذهب أكثر العامة، فالإمام (عليه السلام) أفاد الحكم الواقعي في الشبهة الحكمية بلسان الاحتياط، و إلّا فلا معنى لأن يسأل عن الحكم منه (عليه السلام)، و هو لا يبيّن الحكم الواقعي و لا يرفع جهله، هذا إذا كان السؤال و الجواب راجعا إلى الشبهة الحكمية، كما هو الظاهر منها.
أما لو كان السؤال عن الشبهة الموضوعية: فعند الأصولي أيضا يجب الانتظار، لاستصحاب عدم دخول الليل.
و أما عن سائر ما ورد في هذا الباب: فبظهور الأمر بالاحتياط في الاستحباب و لا كلام في حسنه و استحبابه، و إلّا يلزم من القول بوجوبه مطلقا- كما هو مفاد تلك الأخبار- تخصيص الأكثر لكثرة موارد الشبهة الموضوعية مطلقا، و الشبهة الوجوبية الحكمية، التي لا يجب الاحتياط فيها باتفاق الأصولي و الأخباري.
الطائفة الرابعة: أخبار التثليث، كقوله (عليه السلام) في ذيل مقبولة عمر بن حنظلة: «حلال بيّن، حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات، و هلك من حيث لا يعلم» [١].
و تقريب الاستدلال بها: أن الهلاك ظاهر في العقاب، و رتّبه على الاقتحام في الشبهات التحريمية كما هو ظاهر، فإذا كان في الاقتحام فيها عقاب فيجب فيها الاحتياط.
و فيه: أن ظاهرها أن التجنب عن الشبهات التحريمية يوجب في النفس ملكة و حالة رادعة عن ارتكاب المحرّمات، كما أن ارتكابها و المضي فيها يوجب الجرأة عن ارتكاب المعاصي و الهلاك بسببه، لا إن نفس اقتحام الشبهات فيه الهلاك و العقاب، و هذا المعنى أجنبي عن محل النزاع، فلسانها تكون لسان الإرشاد إلى عدم الاقتحام في الشبهات التحريمية، لا إنها تدل على النهي المولوي الذي يستتبع العقاب [٢].
هذا بالنسبة إلى أدلة الأخباريين على الاحتياط، و أما أدلة الأصوليين على البراءة كما ذكرها صاحب المتن و هي الكتاب، الأخبار، الإجماع، العقل.
و كما لا يخفى: أن العقل أيضا جعل دليلا على الاحتياط عند الأخباريين سوف يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.
[١] الكافي، ج ١، ص ٦٨، ح ١٠.
[٢] ما ذكر من الأدلّة من الروايات و التقريبات منها مأخوذ من كتاب منتهى الأصول، ج ٢، ص ٢٦٧- ٢٧٢.