المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٠ - ٩- الظن الخاص و الظن المطلق
دليل الانسداد على نحو الاختصار تنويرا لذهن الطالب، فنقول:
تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً. الأنفال: ٢٥. (مضمونها يجب التحذر من الأضرار)، و قوله تعالى: وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ آل عمران: ٢٨. و قوله تعالى: أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ النحل: ٤٥. إلى غير ذلك.
ثم عقب صاحب الرسائل قائلا: نعم التمسّك في سند الكبرى بالأدلّة الشرعية يخرج الدليل المذكور عن الأدلة العقليّة، فتكون حينئذ الكبرى شرعية. ثم استدرك (قدس سره) قائلا: لكن الظاهر أن مراد الحاجبيّ منع أصل الكبرى، لا مجرّد منع استقلال العقل بلزومه. و لا يبعد عن الحاجبيّ أن يشتبه عليه حكم العقل الإلزاميّ بغيره، بعد أن اشتبه عليه أصل حكم العقل بالحسن و القبح (بوجوب دفع الضرر المظنون).
الوجه الثاني: هذا إشكال ثاني على الدليل و محصله ما قاله الشيخ الأنصاري في رسائله: «يظهر من العدة و الغنية و غيرهما، من أنّ الحكم المذكور مختص بالأمور الدنيويّة، فلا يجري مع الأخروية مثل العقاب و هذا كسابقه في الضعف، فإنّ المعيار هو التضرّر (و هو أعم من أن يكون التضرر دنيويا أو أخرويا)، مع أنّ المضارّ الأخرويّة أعظم، اللهمّ إلّا أن يريد المجيب ما سيجيء، من أنّ العقاب مأمون على ما لم ينصب الشارع دليلا على التكليف به، بخلاف المضار الدنيوية التابعة لنفس الفعل أو الترك علم حرمته أو لم يعلم، أو يريد أنّ المضارّ الغير الدنيويّة و إن لم تكن خصوص العقاب، ممّا دلّ العقل و النقل على وجوب إعلامها على الحكيم، و هو الباعث له على التكليف و البعثة. لكن هذا الجواب راجع إلى منع الصغرى (و هو إنه لا ضرر أخروي لوجود البراءة العقلية و هي قبح العقاب بلا بيان)، لا الكبرى (لأنه لا يوجد ضرر لأجل دفعه)».
صاحب الكفاية قد رد على الدليل بعدم تمامية الصغرى في قوله: «و الصواب في الجواب هو منع الصغرى» و توضيحه: «أنه إما أن يكون المراد بالضرر المذكور في صغرى الدليل العقوبة أو يكون المراد به المفسدة، فهنا احتمالان:
الأول: أن يراد بالضرر المذكور فيها العقوبة، الثاني: أن يراد به المفسدة، فإن كان الاحتمال الأول منعنا الملازمة بين الظن بالحكم و الظن بالعقوبة على مخالفته.
وجه المنع: أن الملازمة بينهما منوطة بثبوت هذه الملازمة بين وجودهما في الواقع حتى يكون الظن بأحد المتلازمين ظنا بالملازم الآخر، كالظن باستقبال الكعبة لمن ظن باستدبار الجدي ممن يكون في أواسط العرق، فإن الملازمة حيث تكون بين نفس الاستدبار و الاستقبال، فالتلازم يتحقق في جميع المراحل من العلم و الظن و الشك. و المقام ليس كذلك، ضرورة إن مطلق مخالفة الحكم الواقعي لا يستلزم استحقاق العقوبة، بل المستلزم له هو خصوص مخالفة الحكم المنجز».
و إن شئت فقل: إن استحقاق العقوبة ليس من لوازم جميع مراتب الحكم، بل خصوص مرتبته الأخيرة- و هي التنجز- فاستحقاق العقوبة من لوازم المعصية التي هي خصوص مخالفة الحكم المنجز، و من المعلوم: إن الظن بالحكم- مع الشك في اعتباره- لا يستلزم الظن باستحقاق العقوبة، و لا الشك فيه، بل يقطع بعدم الاستحقاق، إذ مع عدم تنجز الحكم الواقعي لا تعد مخالفته معصية حتى يترتب عليها