المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٨ - ٥- الأمارة و الأصل العملي
و في الحقيقة: أن هذا تسامح في التعبير منهم على نحو المجاز في الاستعمال؛ لا إنه وضع آخر لكلمة الأمارة. و إنما مدلول الأمارة الحقيقي هو: كل شيء اعتبره الشارع لأجل أنه يكون سببا للظن كخبر الواحد و الظواهر.
و المجاز هنا:
إما من جهة إطلاق السبب على مسببه، فيسمى الظن المسبب «أمارة».
و إما من جهة إطلاق المسبب على سببه، فتسمى الأمارة التي هي سبب للظن «ظنا» فيقولون:
الظن المعتبر و الظن الخاص، و الاعتبار و الخصوصية إنما هما لسبب الظن.
و منشأ هذا التسامح في الإطلاق هو: أن السر في اعتبار الأمارة و جعلها حجة و طريقا هو إفادتها للظن دائما أو على الأغلب، و يقولون للثاني الذي يفيد الظن على الأغلب: (الظن النوعي) على ما سيأتي بيانه.
٤- الظن النوعي:
و معنى (الظن النوعي): إن الأمارة تكون من شأنها أن تفيد الظن عند غالب الناس و نوعهم، و اعتبارها عند الشارع إنما يكون من هذه الجهة، فلا يضر في اعتبارها و حجيّتها إلّا أن يحصل منها ظن فعلي للشخص الذي قامت عنده الأمارة، بل تكون حجة عند هذا الشخص أيضا، حيث أنّ دليل اعتبارها دلّ على أنّ الشارع إنما اعتبرها حجة و رضي بها طريقا؛ لأن من شأنها أن تفيد الظن و إن لم يحصل الظن الفعلي منها لدى بعض الأشخاص.
ثم لا يخفى عليك أنّا قد نعبّر فيما يأتي تبعا للأصوليين فنقول: الظن الخاص أو الظن المعتبر أو الظن الحجة، و أمثال هذه التعبيرات، و المقصود منها دائما سبب الظن، أعني: الأمارة المعتبرة و إن لم تفد ظنا فعليا. فلا يشتبه عليك الحال.
٥- الأمارة و الأصل العملي:
و اصطلاح الأمارة لا يشمل (الأصل العملي) كالبراءة و الاحتياط و التخيير و الاستصحاب، بل هذه الأصول تقع في جانب و الأمارة في جانب آخر مقابل له، فإن المكلف إنما يرجع إلى الأصول إذا افتقد الأمارة، أي: إذا لم تقم عنده الحجة على الحكم الشرعي الواقعي، على ما سيأتي توضيحه و بيان السر فيه.
و لا ينافي ذلك أن هذه الأصول أيضا قد يطلق عليها أنها حجة، فإن إطلاق الحجة عليها ليس بمعنى: الحجة في باب الأمارات، بل بالمعنى اللغوي باعتبار أنها