المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٠٦ - حجية قول اللغوي
و هناك أصول اتبعها بعض القدماء لتعيين وضع الألفاظ أو ظهوراتها، في موارد تعارض أحوال اللفظ. و الحق: إنه لا أصل لها مطلقا، لأنه لا دليل على اعتبارها. و قد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم (ج ١، ص ٨٥).
و هي مثل: ما ذهبوا إليه من أصالة عدم الاشتراك في مورد الدوران بين الاشتراك و بين الحقيقة و المجاز (١)، و مثل: أصالة الحقيقة لإثبات وضع اللفظ عند الدوران بين كونه حقيقة أو مجازا.
أما إنه لا دليل على اعتبارها، فلأن حجية مثل هذه الأصول لا بد من استنادها إلى بناء العقلاء. و المسلم من بنائهم هو ثبوته في الأصول التي تجري لإثبات مراد المتكلم؛ دون ما يجري لتعيين وضع الألفاظ و القرائن. و لا دليل آخر في مثلها غير بناء العقلاء.
حجية قول اللغوي:
إن أقوال اللغويين لا عبرة بأكثرها في مقام استكشاف الألفاظ لأن أكثر المدونين للغة همهم أن يذكروا المعاني التي شاع استعمال اللفظ فيها من دون كثير عناية منهم بتمييز المعاني الحقيقية من المجازية إلّا نادرا، عدا الزمخشري في كتابه (أساس اللغة)، و عدا بعض المؤلفات في فقه اللغة.
و على تقدير أن ينص اللغويون على المعنى الحقيقي، فإن أفاد نصهم العلم بالوضع فهو، و إلّا فلا بد من التماس الدليل على حجية الظن الناشئ من قولهم. و قيل في الاستدلال عليه وجوه من الأدلّة لا بأس بذكرها و ما عندنا فيها (٢):
(١) و مثاله: إذا علمنا بأن لفظ الأسد موضوع حقيقة للحيوان المفترس، و شككنا في أن لفظ الأسد هل هو موضوع للرجل الشجاع أم لا؟ فإن كان هو موضوعا لمعنى الرجل الشجاع فهذا معناه أن لفظ الأسد لفظ مشترك، و إذا قلنا: إنه معنى مجازي فهذا معناه أن لفظ الأسد حقيقة في المعنى الأول (الحيوان المفترس)، و مجاز في المعنى الآخر (الرجل الشجاع).
إذا: يدور الأمر بين لفظ الأسد في أنه هل لفظ مشترك أم له معنى حقيقي و معنى مجازي؟ نقول:
الأصل عدم الاشتراك. حينئذ: يثبت أن لفظ الأسد له معنى حقيقي، و له معنى مجازي.
(٢) و من الأدلّة: إجماع العلماء، بل العقلاء على الرجوع إلى كتب اللغة عند وقوع الخلاف بينهم في معنى لفظ، أو عدم فهمهم معناه. و فيه: أنه من الممكن أن يكون رجوعهم إليهم: إما من جهة المسامحة فيما إذا لم يكن متعلقا بما له أثر شرعي، و إما من جهة حصول الوثوق و الاطمئنان من قولهم في بعض الأحيان، لا من جهة حصول الظن فقط، و حجية قولهم مطلقا.