المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٢٤ - و قد يستدل على ذلك بما يلي
٣- لا يقصدون- أيضا- أنه يصح لكل أحد أن يأخذ بظواهره و إن لم تكن له سابقة معرفة و علم و دراسة لكل ما يتعلق بمضمون آياته. فالعامي و شبه العامي ليس له أن يدعي فهم ظواهر الكتاب و الأخذ بها.
أصلا بل كل معانيه باطنية، مع الالتفات إلى أن إسقاط ظواهر الكتاب الكريم عن الحجية أمر في غاية الأهمية. فلو كان الأئمة بصدد بيانه (أي: بيان إسقاط ظواهر الكتاب)، لما أمكن عادة افتراض اختصاص هؤلاء الضعاف بالاطّلاع على ذلك و الإخبار عنه دون فقهاء أصحاب الأئمة الذين عليهم المعول، و إليهم تفزع الشيعة في الفتوى و الاستنباط بأمر الأئمة و إرجاعهم على حد تعبير السيد الشهيد الصدر (قدس سره).
و ثانيا: أن هذه الروايات معارضة للكتاب الكريم الدال على أنه نزل تبيانا لكل شيء و هدى و بلاغا، و كل خبر يكون معارضا للكتاب الكريم ليس بحجة، و هذا تقدم سابقا في مقام بيان تحديد الحجية بلحاظ المروي. و بيان المخالفة بصورة أوضح: أن القرآن الكريم يقول: أنه بيان لكل شيء و هدى و بلاغا، و هذا ينافي كونه غامضا و مبهما، و أن الله تعمد إغماضه و إبهامه حتى يربط الناس بالحجج بحسب الفرض. فنقول: كيف يكون بيانا و بلاغا إذا كان غامضا و مبهما؟ و قلنا سابقا: إن المخالف للكتاب من أخبار الآحاد لا يشمله دليل حجية خبر الواحد بمعنى: أننا قلنا: الخبر الواحد يكون حجة إذا لم يكن مخالفا للكتاب الكريم.
و قد ورد من الروايات ما يدل على ذلك، مثل: ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: قال الصادق (عليه السلام): «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه، و ما خالف كتاب الله فردوه ...» [١].
- و مثل ما رواه أيوب بن راشد عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: «ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف» [٢].
و كذا ما رواه هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «خطب النبي (صلى الله عليه و آله) بمنى، فقال: أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، و ما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله» [٣].
الطائفة الثانية: ما دل من الروايات على عدم جواز الاستقلال في فهم القرآن، و تفسيره و بيان المراد منه. و يستدل بهذه الطائفة على عدم جواز العمل بظواهر القرآن الكريم؛ لأن العمل بظواهر القرآن الكريم يعتبر استقلالا في فهم الكتاب الكريم، و هذه الطائفة تنهى عن الاستقلال في فهم القرآن.
أجاب السيد الشهيد الصدر (قدس سره) على هذه الطائفة قائلا: هذه لا تدل على عدم جواز العمل
[١] الوسائل، ج ١٨، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، ح: ٢٩.
[٢] الوسائل، ج ١٨، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، ح: ١٢.
[٣] الوسائل، ج ١٨، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، ح: ١٥.