المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٥٢ - ٣- مدى دلالة السيرة
شخصه أو دينه أو نحو ذلك. و يأتي آخر فيقلد الأول في عمله، و يستمر العمل، فيشيع بين الناس من دون أن يحصل من يردعهم عن ذلك، لغفلة، أو لتسامح، أو لخوف، أو لغلبة العاملين فلا يصغون إلى من ينصحهم، أو لغير ذلك.
و إذا مضت على العمل عهود طويلة يتلقاه الجيل بعد الجيل، فيصبح سيرة المسلمين، و ينسى تأريخ تلك العادة، و إذا استقرت السيرة يكون الخروج عليها خروجا على العادات المستحكمة؛ التي من شأنها أن تتكون لها قدسية و احترام لدى الجمهور، فيعدون مخالفتها من المنكرات القبيحة، و حينئذ: يتراءى أنها عادة شرعية و سيرة إسلامية، و أن المخالف لها مخالف لقانون الإسلام و خارج على الشرع.
و يشبه أن يكون من هذا الباب: سيرة تقبيل اليد، و القيام احتراما للقادم، و الاحتفاء بيوم النوروز، و زخرفة المساجد و المقابر ... و ما إلى ذلك من عادات اجتماعية حادثة.
و كل من يغتر بهذه السيرات و أمثالها، فإنه لم يتوصل إلى ما توصل إليه الشيخ الأنصاري الأعظم من إدراك سر نشأة العادات عند الناس على طول الزمن، و أن لكل جيل من العادات في السلوك و الاجتماع و المعاملات و المظاهر و الملابس ما قد يختلف كل الاختلاف عن عادات الجيل الآخر. هذا بالنسبة إلى شعب واحد و قطر واحد، فضلا عن الشعوب و الأقطار بعضها مع بعض، و التبدل في العادات غالبا يحدث بالتدريج في زمن طويل قد لا يحس به من جرى على أيديهم التبديل.
و لأجل هذا لا نثق في السيرات الموجودة في عصورنا أنها كانت موجودة في العصور الإسلامية الأولى. و مع الشك في ذلك فأجدر بها ألا تكون حجة لأن الشك في حجية الشيء كاف في وهن حجيته، إذ لا حجة إلّا بعلم.
٣- مدى دلالة السيرة:
إن السيرة عند ما تكون حجة فأقصى ما تقتضيه: أن تدل على مشروعية الفعل و عدم حرمته في صورة السيرة على الفعل، أو تدل على مشروعية الترك و عدم وجوب الفعل في صورة السيرة على الترك.
أما استفادة الوجوب من سيرة الفعل، و الحرمة من سيرة الترك: فأمر لا تقتضيه نفس السيرة، بل كذلك الاستحباب و الكراهة؛ لأن العمل في حد ذاته مجمل لا دلالة له على أكثر من مشروعية الفعل أو الترك.