المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٩٣ - وجه حجية العقل (٢)
الشارع- بعد قطعه بثبوت الملزوم الذي هو حكم الشرع أو العقل، و بعد فرض قطعه بالملازمة- نشرع في بيان وجه حجية العقل، فنقول:
القطع لأنك تفرض حصول القطع بالحكم الشرعي. فمع حصوله لا معنى لسلب الحجية عنه بأن يقال للإنسان القاطع بوجوب صلاة الظهر: إن قطعك ليس حجة. هذا لا معنى له للزوم التناقض.
إذا: كيف يمكن للشارع أن يسلب الحجية عن القطع بعد فرض تحققه؟ قالوا: نحن في المقام لا نريد أن نجرد القطع عن الحجية حتى تقولوا أن هذا تفكيك بين الذات و الذاتي، و هذا غير معقول لما ثبت من أن الحجية أمر ذاتي للقطع من قبيل الزوجية بالنسبة إلى الأربعة، فكما لا يعقل التفكيك بين الزوجية و الأربعة لأنها لازم لذاتي الأربعة فأيضا هنا لا يعقل التفكيك بين الحجية و بين القطع لأنها من لوازمه الذاتية. و إذا كنت لا تريد أيها الأخباري تجريد القطع الطريقي عن الحجية حتى يقال بأنه مستحيل إذا: ما ذا تريد؟ قال الأخباري: أدعي تحويل القطع الطريقي إلى موضوعي حينئذ: يعقل سلب الحجية عنه. و بيان هذا موقوف على بيان الفرق بين القطع الموضوعي و بين القطع الطريقي.
القطع الطريقي: هو القطع الذي يثبت به الحكم الشرعي مباشرة، فيكون طريقا لإثبات الحكم الشرعي، بينما القطع الموضوعي: هو القطع بالشيء الذي يؤخذ موضوعا في الحكم الشرعي؛ لا إنه يثبت الحكم الشرعي. ففرق بين أن يقول الشارع: الخمر حرام، و أنا أقطع بخمريته و هذا قطع طريقي، و بين أن يقول الشارع: الخمر المقطوع بخمريته حرام فهنا القطع بالخمرية أصبح موضوعا للحرمة، و الحكم بحرمة الخمر المقطوع بخمريته يحتاج إلى دليل شرعي يثبته، أي: ما هو الدليل على أن المولى حكم بحرمة الخمر المقطوع بخمريته؟ هذا يحتاج إلى دليل فما لم نثبته لا يثبت الحكم.
فإذا عرفنا الفرق بين القطعين نقول: إن الأخباري يريد أن يحول القطع الطريقي إلى القطع الموضوعي، و القطع الموضوعي يمكن سلب الحجية عنه، بمعنى: أن يقول الشارع: الخمر إذا قطعت بخمريته من الطريق الشرعي فهو موضوع للحكم الشرعي، و أما إذا قطعت به من الطريق العقلي فهو ليس موضوعا للحكم الشرعي.
فالشارع يستطيع أن يخصص موضوع الحكم الشرعي في مورد معين، و يستطيع أن يعممها في كل الحالات. إذا: القطع بالخمرية ما دام أخذ موضوعا للحكم الشرعي يستطيع الشارع أن يتصرف في أسبابه بأن يقول: القطع الحاصل من السبب الفلاني يكون موضوعا للحكم الشرعي و هذا ممكن. بينما لو قال: القطع الحاصل من السبب الفلاني حجة هذا غير ممكن لأنه تفكيك بين الذات و الذاتي- أي:
بين القطع و الحجية-.
على كل حال: الأخباريون يدّعون- بعبارة أخرى- أن الحكم الشرعي له عالم جعل، و عالم مجعول، و أن الأحكام الشرعية قد أخذ في موضوعها قيد، و هو عدم العلم بجعلها من ناحية الدليل العقلي، فمع العلم بجعلها من ناحية الدليل العقلي لا يكون الحكم الشرعي ثابتا لانتفاء قيده، فلا أثر للعلم المذكور، إذ لا حكم في هذه الحالة، و بعبارة أخرى: إن الحكم الشرعي له عالمان عالم الجعل و عالم المجعول. و نقيد المجعول بعدم العلم به من الدليل العقلي، بحيث أن العلم بالجعل من الدليل العقلي